عيسى بنُ مريمَ عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراء البَتول خَير نِساءِ العالَمينَ سيِّدة نساءِ أَهلِ الجنَّةِ أم المؤمنين مريم بنت عمرانَ

 

جمع وترتيب

 

أ.د. حسين يوسف العمري

Hussain yousef Omari

قسم الفيزياء / جامعة مؤتة / الأردن

rashed@mutah.edu.jo

 


 

 

عيسى بنُ مريمَ عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراء البَتول خَير نِساءِ العالَمينَ سيِّدة نساءِ أَهلِ الجنَّةِ أم المؤمنين مريم بنت عمرانَ

الموضوعات

* أم المؤمنين مريمَ بنتَ عمرانَ

* ولنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها

* مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ

* أقْبَلَ أعرابِيٌّ حتى أَتَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ أيُّ شيءٍ كان أوَّلُ نُبوتِكَ قالَ (أخذَ اللهُ الميثاقَ كما أخذَ من النبيينَ ميثاقَهم ثم تَلَا وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِّنَ مِيثَاقَهَمْ وَمِنْكَ وَمِنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا وَبُشْرَى المسيحِ عيسى ابنِ مريمَ)

* ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها

* وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه

* { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيلِ، وبإيمانهم بمحمدٍ وتصديقهم

* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ

* يُلَقَّى عيسى حجَّتَه في قولِه  : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه فلقَّاه اللهُ  : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ الآية كلَّها

* المرتدون الذين ارتدوا على عهدِ أبي بكرٍ ، فقاتلهم أبو بكرٍ رضي الله عنه، يقال فيهم : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ

* لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ ولَكِن قولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ

* عن علي بن أبي طالب : (دعاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : إنَّ فيكَ مِنْ عيسى مثَلًا أبغضَته يهودُ حتى بَهتوا أمَّه وأحبَّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلِ الذي ليسَ بهِ)

* الهجرة إلى أرضِ النَّجاشِيِّ، وبيان أنّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ هو عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراءِ البَتولِ

* بعثَ اللَّهُ تعالى عيسى عليهِ السَّلامُ رسولًا وسخَّرَ لَهُ ما كانَ يفعلُ من إحياءِ المَوتى ، وخَلقِ الطَّيرِ، وإبراءِ الأَكْمَهِ ، والأبرصِ ، والأعمَى ، فَكَفرَ بِهِ قومٌ وتبعَهُ قومٌ، وإنَّما كانَ عبدَ اللَّهِ ورسولَهُ ابتَلى بِهِ خلقَهُ

* ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.  مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ

* أمَا يَكفيكَ أن تُكْنَى بأبي عبدِ اللهِ

* لم يتكلمُ في المهدِ إلا ثلاثةٌ  : عيسى ابنُ مريمَ . وصاحبُ جريجٍ.  وبينا صبي يرضعُ من أمِّه . فمرَّ رجلٌ راكبٌ على دابةٍ فارهةٍ وشارةٍ حسنةٍ . فقالت أمُّه ! اللهمَّ ! اجعلْ ابني مثلَ هذا . فترك الثدي وأقبل إليه فنظر إليه . فقال  : اللهمَّ ! لا تجعلني مثلَه

* رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ أَسَرَقْتَ قَالَ كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ عِيسَى آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي

* ما أَظَلَّتِ الخضراءُ، ولا أقَلَّتِ الغَبْراءُ من ذي لهجَةٍ أصدقَ ولا أوْفى من أبي ذَرٍّ ؛ شَبَه عيسى ابنِ مريمَ

* الْحَوَارِيُّون

* أوامر الشرائع: إنَّ اللهَ أمر يحيَى بنَ زكريَّا بخمسِ كلماتٍ أن يعمَلَ بها ، ويأمرَ بني إسرائيلَ أن يعملوا بها وإنَّه كاد أن يُبطِئَ بها ، قال عيسَى : إنَّ اللهَ أمرك بخمسِ كلماتٍ لتعملَ بها وتأمرَ بني إسرائيلَ أن يعملوا بها فإمَّا أن تأمُرَهم وإمَّا أن آمُرَهم.  فقال يحيَى : أخشَى إن سبقتَني بها أن يُخسَفَ بي أو أُعذَّبَ ، فجمع النَّاسَ في بيتِ المقدسِ فامتلأ المسجدُ وقعدوا على الشُّرُفِ فقال : إنَّ اللهَ أمرني بخمسِ كلماتٍ ... الحديث

* عن ابنِ عباسٍ قال الأنبياءُ من بني إسرائيلَ إلا عشرةً

* الأمورُ ثلاثةٌ أمرٌ تبيَّنَ لك رشدُه فاتبِعْه وأمرٌ تبيَّن لك غيُّه فاجتنِبْته وأمرٌ اختُلِف فيه فرُدَّه إلى عالِمِه

* لما وقعت بنو إسرائيلَ في المعاصي نهتْهُم علماؤُهم، فلم يَنْتَهُوا فجالَسُوهم في مَجَالِسِهِم وواكَلُوهم وشارَبُوهم، فضرب اللهُ قلوبَ بعضِهم على بعضٍ ولعنهم { عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }

* فواللَّهِ إنَّ ممَّا أنزلَ اللَّهُ تعالى علَى عيسَى ابنِ مريَمَ أنَّ اللَّعنةَ تكونُ في الأرضِ إذا كانَ أُمراؤُها الصِّبيانَ

* أمَّا هُم، فقَد سَمِعوا أنَّ الملائِكَةَ لا تدخلُ بيتًا فيهِ صورَةُ وهذَا صورةُ إبراهيمَ فما بالُهُ يستَقسِمُ وقَد علِموا أنَّهُ كانَ لا يَستَقسِمُ

* مكتوبٌ في التَّوراةِ  صفةُ محمَّدٍ ، وعيسَى ابنِ مريمَ يُدْفَنُ معهُ

* أنَّ خديجةَ أولًا أتتِ ابنَ عمِّها ورقةَ فأخبرَتْهُ الخبرَ فقال : لئنْ كنْتِ صَدَقتِني إنَّهُ ليأتيهِ ناموسُ عيسى الذي لا يعلِّمُهُ بنو إسرائيلَ أبناءَهم

* إن الله قال لعيسى ابن مريم : إني باعِثٌ مِن بعدِك أمَّةٌ إن أصابهم ما يُحِبُّون حَمِدوا وشَكروا وإن أصابوا ما يكرهون احتَسَبوا وصَبَروا ... أعطيهم مِن حِلمي وعِلمي

* أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء أخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد

* لَمَّا قُتِلَ عليُّ بنُ أبِي طالِبٍ رضِيَ اللهُ عنهُ قامَ الحسَنُ بنُ عليٍّ خَطيبًا ، فقال  : قدْ قَتلْتُمْ واللهِ الليلَةَ رَجلًا في الليلَةِ التي أُنْزِلَ فيها القُرآنُ ، وفِيها رُفِعَ عِيسَى بنُ مَريمَ ، وفِيها قُتِلَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ فتَى مُوسَى

* أُرَانِي الليلةَ عند الكعبةِ ، فرأيتُ رجلًا آدَمَ ، كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ من أُدُمِ الرجالِ ، له لِمَّةٌ كأَحْسَنِ ما أنتَ راءٍ من اللِّمَمِ ، قد رَجَّلَها ، تَقْطُرُ ماءً ، مُتَّكِئًا على رَجُلَيْنِ أو على عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ ، يطوفُ بالبيتِ ، فسألتُ : مَن هذا ؟ فقيل : المسيحُ ابنُ مريمَ ، ثم إذا أنا برجلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ ، أَعْوَرِ العينِ اليُمْنَى ، كأنها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ . فسألتُ : مَن هذا ؟ فقيل : المسيحُ الدجالُ

* كيف أنتُم إذا نزل ابنُ مَريمَ فِيكُم فأَمَّكُمْ

* إنَّ الساعةَ لا تكون حتى تكون عشرُ آياتٍ  .  أحدُهما  نزولُ عيسى ابنِ مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ

* فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

* والذي نفسي بيدِه ، ليُوشكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا مقسطًا ، فيكسرُ الصليبَ ، ويقتلُ الخنزيرَ ، ويضعُ الجزيةَ ، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبلَه أحدٌ

* وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا ، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا

* ينزِلُ عيسى بنُ مريمَ مصدِّقًا بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَى ملتِّهِ إمامًا مهديًّا وحكَمًا عدْلًا فَيَقْتُلُ الدجالَ

* عِصابَتانِ من أُمتِي أحْرَزَهُما اللهُ من النارِ ، عِصابَةٌ تَغزُو الهِندَ ، و عِصابةٌ تَكونُ مع عِيسَى بنِ مَرْيَمَ

* لم يسلَّط علَى الدَّجَّالِ إلَّا عيسَى ابنُ مَريمَ: يخرجُ الدجَّالُ في أمتي فيمكثُ أربعينَ. فيبعثُ اللهُ عيسى بنَ مريمَ فيطلبُه فيهلكُه . ثم يمكث الناسُ سبعَ سنينَ . ليس بين اثنين عداوةٌ . ثم يرسل اللهُ ريحًا باردةً من قِبَلِ الشأمِ . فلا يبقى على وجه الأرضِ أحدٌ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلا قبضتْه . فيبقى شرارُ الناسِ، ثم يُنفخُ في الصُّورِ، ويُصعقُ الناسُ

* إن يكُنْ هو فلَسْتَ صاحبَه إنَّما صاحبُه عيسى بنُ مريمَ وإلَّا يكُنْ هو فليس لك أن تقتُلَ رجلًا من أهلِ العهدِ

* { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } قال  : وهو خروجُ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ قبل يومِ القيامةِ

* الشفاعة: فيَأتون عيسَى روحَ اللهِ وكلِمتَه، فيقولُ: لستُ هناكُم، ولكن ائتوا محمَّدًا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، عَبدًا قد غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِه وما تأخَّر"، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فَيأتوني، فأستأذِنُ على ربِّي فيًؤذَنُ لي، فإذا أنا رأيتُه وقَعتُ ساجِدًا، فيَدَعُني ما شاء اللهُ، فيقالُ: يا محمَّدُ، ارفَعْ رأسَك، قُلْ تُسمَعْ، سَلْ تُعطَه، اشفَعْ تُشفَّعْ

* بَيْنَا أنا نائمٌ رَأَيْتُنِي أطوفُ بالكعبةِ ، فإذا رجلٌ آدَمُ ، سَبْطُ الشَّعْرِ ، بينَ رَجُلَيْنِ ، يَنْطِفُ رأسُه ماءً ، فقلتُ  : مَن هذا ؟ قالوا  : ابنُ مَرْيَمَ ، فذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فإذا رجلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ ، جَعْدُ الرأسِ ، أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى ، كأنَّ عَيْنَه عِنَبَةٌ طافِيَةٌ ، قلتُ  : مَن هذا ؟ قالوا  : هذا الدَّجَّالُ

* عرج بالرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء ، فاستقبله الرسل آدم وإدريس وعيسى ويحيى ويوسف وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين ورحّبوا به  (فإذا أنا بابني الخالة : عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحبا بي، ودعوا لي بخير)

* ورأيتُ عيسى بنَ مريمَ عليه السلامُ . فإذا أقربُ من رأيتُ به شبهًا عروةُ بنُ مسعودٍ

* دخول الجنة يكون برحمة الله

* فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيِّدةُ نساءِ أَهلِ الجنَّةِ إلَّا ما كانَ منَ البتولِ مريمَ بنتِ عمران

* الحسنُ و الحُسَينُ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ ؛ إلا ابنَي الخالةِ عيسى ابنَ مريمَ و يحيي بنَ زكريا، و فاطمةُ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ ؛ إلا ما كان من مريمَ بنتِ عِمرانَ

* خَيرُ نِساءِ العالَمينَ أربَعٌ  : مَريمُ بنتُ عِمرانَ ، و خَديجةُ بِنتُ خُويْلِدٍ ، و فاطِمةُ بِنتُ مُحمدٍ ، و آسِيةُ امْرأةُ فِرعَونَ. و إنَّ فضلَ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطعامِ

* عن عائشةَ أنَّها قالتْ : لقد أُعطِيتُ تِسعًا ما أُعطِيَتْها امرأةٌ بعد مريمَ بنتِ عِمْرانَ

* نساءُ قريشٍ خيرُ نساءٍ رَكِبْنَ الإبلَ ، أحناه على طفلٍ ، وأرعاه على زوجٍ في ذاتِ يدِه . يقولُ أبو هريرةَ على إثرِ ذلك  : ولم تَرْكَبْ مريمُ بنتُ عمرانَ بعيرًا قطُّ

* أطعِموا نُفَسَاءَكم الرُّطَب فإنهُ لو علم اللهُ خيرًا منه لأطعمَهُ مريمَ

* أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ المُصوِّرونَ


 

 

عيسى بنُ مريمَ عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراء البَتول خَير نِساءِ العالَمينَ سيِّدة نساءِ أَهلِ الجنَّةِ أم المؤمنين مريم بنت عمرانَ

 

أم المؤمنين مريمَ بنتَ عمرانَ

(إنَّ اللهَ تعالى زَوَّجَنِي في الجنةِ مَرْيَمَ بنتَ عِمْرَانَ ، وامرأةَ فرعونَ، وأختَ موسى) ( [1])


ولنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها

(ليدركنَّ الدجالُ قومًا مثلكمْ أو خيرًا منكمْ، و لنْ يخزيَ اللهُ أمةً أنا أولَها، و عيسى بنُ مريمَ آخرَها) ([2])


مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ

(مَنْ أدرَكَ منكم عيسى ابنَ مريَمَ ، فلْيُقْرِئْهُ منِّي السلامَ) ([3])

(إني لأرجو إن طال بي عُمرٌ أن ألقَى عيسَى بن مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإن عجِل بي موتٌ فمَن لقِيه منكم فليقرِئْه مني السلامَ) ([4])

(إنِّي لأرجو إن طال بي عمرٌ أن ألقى عيسى بنَ مريمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فإن عجَّل بي موتٌ فمَن لقيه منكم فليُقرِئْه منِّي السَّلامَ) ([5]).

( إنِّي لأرجو إن طالَ بي عُمُرٌ أن ألقَى عيسى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فإن عَجلَ بي موتٌ ، فمن لقيَهُ منكم فليُقرئهُ منِّي السَّلامَ) ( [6])

(عن أبي هُرَيْرةَ ، قالَ  : إنِّي لأرجو إن طالَت بي حياةٌ أن أُدْرِكَ عيسَى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فإن عَجِلَ بي موتٌ ، فمَن أدرَكَهُ فليُقرئهُ منِّي السَّلامَ) ([7]) .


أقْبَلَ أعرابِيٌّ حتى أَتَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالَ أيُّ شيءٍ كان أوَّلُ نُبوتِكَ قالَ (أخذَ اللهُ الميثاقَ كما أخذَ من النبيينَ ميثاقَهم ثم تَلَا وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِّنَ مِيثَاقَهَمْ وَمِنْكَ وَمِنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا وَبُشْرَى المسيحِ عيسى ابنِ مريمَ)

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) (الأحزاب 7).

(أقْبَلَ أعرابِيٌّ حتى أَتَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعندَهُ خَلْقٌ منَ الناسِ فقالَ ألَا تُعْطِيني شيئًا أتَعَلَّمُهُ وأحمِلُهُ وينْفَعُني ولَا يَضَرُّكَ فقالَ الناسُ مَهْ اجْلِسْ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعُوهُ فإنَّمَا يَسْأَلُ الرجلُ لِيَعْلَمَ فأَفْرَجُوا لَهُ حتَّى جَلَسَ فقالَ أيُّ شيءٍ كان أوَّلُ نُبوتِكَ قالَ أخذَ اللهُ الميثاقَ كما أخذَ من النبيينَ ميثاقَهم ثم تَلَا وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِّنَ مِيثَاقَهَمْ وَمِنْكَ وَمِنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا وَبُشْرَى المسيحِ عيسى ابنِ مريمَ ورَأَتْ أُمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِي منامِها أنَّهُ خرَجَ مِنْ بينِ رِجْلَيْها سراجٌ أضاءَتْ لَهُ قصورُ الشامِ فقالَ الأعرابِيُّ هاه وأدْنَى مِنْهُ رأسَهُ وكانَ في سمعِهِ شيءٌ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووراءَ ذلِكَ) ([8])

(أقْبَلَ أعرابِيٌّ حتى أَتَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعندَهُ خَلْقٌ منَ الناسِ فقالَ ألَا تُعْطِيني شيئًا أتَعَلَّمُهُ وأحمِلُهُ وينْفَعُني ولَا يَضَرُّكَ فقالَ الناسُ مَهْ اجْلِسْ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَعُوهُ فإنَّمَا يَسْأَلُ الرجلُ لِيَعْلَمَ فأَفْرَجُوا لَهُ حتَّى جَلَسَ فقالَ أيُّ شيءٍ كان أوَّلُ نُبوتِكَ قالَ أخذَ اللهُ الميثاقَ كما أخذَ من النبيينَ ميثاقَهم ثم تَلَا وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِّنَ مِيثَاقَهَمْ وَمِنْكَ وَمِنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا وَبُشْرَى المسيحِ عيسى ابنِ مريمَ ورَأَتْ أُمُّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِي منامِها أنَّهُ خرَجَ مِنْ بينِ رِجْلَيْها سراجٌ أضاءَتْ لَهُ قصورُ الشامِ فقالَ الأعرابِيُّ هاه وأدْنَى مِنْهُ رأسَهُ وكانَ في سمعِهِ شيءٌ فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ووراءَ ذلِكَ) ([9]).

 (عن أبيِّ بنِ كَعبٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ ، في قولِهِ عزَّ وجلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إلى قولِهِ تعالى أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلونَ قالَ : جمعَهُم لَهُ يومئذٍ جميعًا ما هوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ ، فجَعلَهُم أرواحًا ، ثمَّ صوَّرَهُم ، واستنطقَهُم ، فتَكَلَّموا ، وأخذَ عليهمُ العَهْدَ والميثاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ قالَ : فإنِّي أُشهِدُ عليكمُ السَّماواتِ السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ، وأُشهِدُ عليكم أباكُم آدمَ أن تقولوا يومَ القيامةِ لم نعلَم ، أو تقولوا إنَّا كنَّا عَن هذا غافلينَ، فلا تشرِكوا بي شيئًا ، فإنِّي أرسلُ إليكم رسُلي ، يذَكِّرونَكُم عَهْدي وميثاقي ، وأنزلُ عليكُم كتُبي، فقالوا : نشهدُ أنَّكَ ربُّنا ، وإلهُنا لا ربَّ لَنا غيرُكَ ، ولا إلَهَ لَنا غيرُكَ ، ورُفِعَ لَهُم أبوهم آدمَ فنظرَ إليهم ، فرأى فيهمُ الغَنيَّ والفقيرَ وحسنَ الصُّورةِ ، وغيرَ ذلِكَ ، فقالَ : ربِّ لو سوَّيتَ بينَهُم فقالَ: إنِّي أحبُّ أن أُشكَرَ ، ورأى فيهمُ الأنبياءَ مثلَ السُّرجِ ، وخُصُّوا بميثاقٍ آخرَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ فذلِكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآيةَ . وَهوَ قولُهُ تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وذلِكَ قولُهُ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأولَى وقولُهُ وَمَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقينَ وَهوَ قولُهُ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤوهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَمَا كَانُوا ليُؤْمِنوا بِمَا كَذَّبوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كانَ في علمِهِ بما أقرُّوا بِهِ ، مَن يُكَذِّبُ بِهِ ومن يصدِّقُ بِهِ ، فَكانَ روحُ عيسى مِن تلكَ الأرواحِ الَّتي أُخِذَ عليها الميثاقُ في زمنِ آدمَ فأرسلَ ذلِكَ الرُّوحَ إلى مريمَ حينَ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقيًّا، فاتَّخَذَتْ مِنْ دونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَويًّا إلى قولِهِ مَقْضيًّا فحملتهُ قالَ : حملتِ الَّذي خاطبَها وَهوَ روحُ عيسى عليهِ السَّلامُ قالَ أبو جعفرٍ : فحدَّثَني الرَّبيعُ بنُ أنسٍ عن أبي العاليةِ عن أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ : دخلَ مِن فيها) ([10]).

(عن أُبَيّ بن كعبٍ في قولهِ تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم } الآية ، قال جمعهُم له يومئذٍ جميعا . ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ فجعلهم أرواحا ثم صوّرهُم واستنطقهُم فتكلموا وأخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِم أَلَسُْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } . قال فإنّي أُشْهدُ عليكُم السمواتِ السبعِ والأرضينَ السبعَ وأُشْهدُ عليكُم أباكُم آدمَ { أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } فلا تشركوا بي شيئا فإني أُرسلُ إليكُم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأُنْزِلُ عليكم كتبي ، فقالوا نشهدُ أنكَ ربنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيركَ ، ورفعَ لهم أبوهم آدمُ فرأَى فيهِم الغَنِيّ والفقيرُ وحسنَ الصورةِ وغير ذلك فقال ربِّ لو سويتَ بين عبادكَ ، فقال إنّي أحبُّ أن أُشْكرَ ، ورأى فيهِم الأنبياءُ مثل السرُجِ وخُصّوا بميثاٍ آخَرَ بالرسالةِ والنبوةِ فذلكَ قوله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِنَ مِيْثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ } وهُوَ قوله تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدّيْنِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ } وقوله تعالى : { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُوْلَى } وقوله تعالى : { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُم لَفَاسِقِينَ } وكان روحُ عيسى من تلكَ الأرواحُ التي أخذَ عليها الميثاقُ فأرسل ذلكَ الروحُ إلى مريمَ حين انتُبِذتْ من أهلها مكانا شرقيا فدخلَ من فيها) ([11]).

(قولُه تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنًا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) قال رسولُ اللهِ أَوَلُّهُم نوحٌ ثم الْأَوَّلُ فالْأَوَّلُ) ([12]).

(في قولِ اللهِ – عَزَّ وجَلَّ - : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ؛ قال : جَمَعَهُم فجَعَلَهُم أزواجًا ، ثم صَوَّرَهُم فاسْتَنْطَقَهُم ، فتَكَلَّمُوا ، ثم أخذ عليهم العهدَ والميثاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالوا : بلى ، قال : فإني أُشْهِدُ عليكم السماواتِ السَّبْعَ ، والْأَرَضِينَ السَّبْعَ ، وأُشْهِدُ عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يومَ القيامةِ : لَمْ نَعْلَمْ بهذا ، اعلموا أنه لا إِلَهَ غيري ، ولا رَبَّ غيري ، ولا تُشْرِكُوا بي شيئًا ؛ إني سَأُرْسِلُ إليكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي وميثاقي ، وأُنْزِلُ عليكم كُتُبِي ، قالوا : شَهِدْنا بأنك ربَّنا وإِلَهَنا ، لا رَبَّ لنا غيرَك ، ولا إِلَهَ لنا غيرَك ، فأَقَرُّوا بذلك ، ورَفَع عليهِم آدمَ – عليه السلامُينظرُ إليهِم ، فرأى الغنيَّ والفقيرَ ، وحَسَنَ الصورةِ ودُونَ ذلك ، فقال : ربِّ ! لولا سَوَّيْتَ بين عبادِك ! قال : إني أحببتُ أن أُشْكَرَ ، ورأى الأنبياءَ فيهم مِثْلُ السُّرُجِ عليهِم النورُ ، خُصُّوا بميثاقٍ آخَرَ في الرسالةِ والنُّبُوَّةِ ، وهو قولُه – تبارك وتعالى - : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ إلى قولِه - : عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؛ كان في تِلْكِ الأرواحِ ، فأَرْسَلَهُ إلى مريمَ – عليهِما السلامُ - . فحَدَّثَ عن أُبَيٍّ : أنه دخل من فِيها .) ([13]).

(أخذ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنّي الميثاقَ كما أخذ من النَّبيِّين ميثاقَهم ، و بشَّر بي عيسى ابنُ مريمَ ، و رأت أمي في منامِها أنه خرج من بين رجلَيها سراجٌ أضاءَت له قصورُ الشامِ) ([14]).

 (في قولِ اللهِ – عَزَّ وجَلَّ -  : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ؛ قال  : جَمَعَهُم فجَعَلَهُم أزواجًا ، ثم صَوَّرَهُم فاسْتَنْطَقَهُم ، فتَكَلَّمُوا ، ثم أخذ عليهم العهدَ والميثاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالوا  : بلى ، قال  : فإني أُشْهِدُ عليكم السماواتِ السَّبْعَ ، والْأَرَضِينَ السَّبْعَ ، وأُشْهِدُ عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يومَ القيامةِ  : لَمْ نَعْلَمْ بهذا ، اعلموا أنه لا إِلَهَ غيري ، ولا رَبَّ غيري ، ولا تُشْرِكُوا بي شيئًا ؛ إني سَأُرْسِلُ إليكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي وميثاقي ، وأُنْزِلُ عليكم كُتُبِي ، قالوا  : شَهِدْنا بأنك ربَّنا وإِلَهَنا ، لا رَبَّ لنا غيرَك ، ولا إِلَهَ لنا غيرَك ، فأَقَرُّوا بذلك ، ورَفَع عليهِم آدمَعليه السلامُ – ينظرُ إليهِم ، فرأى الغنيَّ والفقيرَ ، وحَسَنَ الصورةِ ودُونَ ذلك ، فقال  : ربِّ ! لولا سَوَّيْتَ بين عبادِك ! قال  : إني أحببتُ أن أُشْكَرَ ، ورأى الأنبياءَ فيهم مِثْلُ السُّرُجِ عليهِم النورُ ، خُصُّوا بميثاقٍ آخَرَ في الرسالةِ والنُّبُوَّةِ ، وهو قولُه – تبارك وتعالى -  : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ إلى قولِه -  : عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؛ كان في تِلْكِ الأرواحِ ، فأَرْسَلَهُ إلى مريمَ عليهِما السلامُ - . فحَدَّثَ عن أُبَيٍّ  : أنه دخل من فِيها .) ([15]).

(عن أبيِّ بنِ كَعبٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ ، في قولِهِ عزَّ وجلَّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إلى قولِهِ تعالى أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلونَ قالَ  : جمعَهُم لَهُ يومئذٍ جميعًا ما هوَ كائنٌ إلى يومِ القيامةِ ، فجَعلَهُم أرواحًا ، ثمَّ صوَّرَهُم ، واستنطقَهُم ، فتَكَلَّموا ، وأخذَ عليهمُ العَهْدَ والميثاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ، وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ قالَ  : فإنِّي أُشهِدُ عليكمُ السَّماواتِ السَّبعَ والأرضينَ السَّبعَ ، وأُشهِدُ عليكم أباكُم آدمَ أن تقولوا يومَ القيامةِ لم نعلَم ، أو تقولوا إنَّا كنَّا عَن هذا غافلينَ ، فلا تشرِكوا بي شيئًا ، فإنِّي أرسلُ إليكم رسُلي ، يذَكِّرونَكُم عَهْدي وميثاقي ، وأنزلُ عليكُم كتُبي، فقالوا  : نشهدُ أنَّكَ ربُّنا ، وإلهُنا لا ربَّ لَنا غيرُكَ ، ولا إلَهَ لَنا غيرُكَ ، ورُفِعَ لَهُم أبوهم آدمَ فنظرَ إليهم، فرأى فيهمُ الغَنيَّ والفقيرَ وحسنَ الصُّورةِ ، وغيرَ ذلِكَ ، فقالَ: ربِّ لو سوَّيتَ بينَهُم فقالَ  : إنِّي أحبُّ أن أُشكَرَ ، ورأى فيهمُ الأنبياءَ مثلَ السُّرجِ ، وخُصُّوا بميثاقٍ آخرَ بالرِّسالةِ والنُّبوَّةِ فذلِكَ قولُهُ عزَّ وجلَّ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ الآيةَ . وَهوَ قولُهُ تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وذلِكَ قولُهُ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأولَى وقولُهُ وَمَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقينَ وَهوَ قولُهُ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤوهُمْ بِالْبَيِّناتِ، فَمَا كَانُوا ليُؤْمِنوا بِمَا كَذَّبوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كانَ في علمِهِ بما أقرُّوا بِهِ، مَن يُكَذِّبُ بِهِ ومن يصدِّقُ بِهِ ، فَكانَ روحُ عيسى مِن تلكَ الأرواحِ الَّتي أُخِذَ عليها الميثاقُ في زمنِ آدمَ فأرسلَ ذلِكَ الرُّوحَ إلى مريمَ حينَ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقيًّا، فاتَّخَذَتْ مِنْ دونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَويًّا إلى قولِهِ مَقْضيًّا فحملتهُ قالَ  : حملتِ الَّذي خاطبَها وَهوَ روحُ عيسى عليهِ السَّلامُ قالَ أبو جعفرٍ  : فحدَّثَني الرَّبيعُ بنُ أنسٍ عن أبي العاليةِ عن أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ  : دخلَ مِن فيها) ([16]).

 (عن أُبَيّ بن كعبٍ في قولهِ تعالى  : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم } الآية ، قال جمعهُم له يومئذٍ جميعا . ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ فجعلهم أرواحا ثم صوّرهُم واستنطقهُم فتكلموا وأخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِم أَلَسُْت بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } . قال فإنّي أُشْهدُ عليكُم السمواتِ السبعِ والأرضينَ السبعَ وأُشْهدُ عليكُم أباكُم آدمَ { أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } فلا تشركوا بي شيئا فإني أُرسلُ إليكُم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأُنْزِلُ عليكم كتبي ، فقالوا نشهدُ أنكَ ربنا وإلهنا لا ربَّ لنا غيركَ ، ورفعَ لهم أبوهم آدمُ فرأَى فيهِم الغَنِيّ والفقيرُ وحسنَ الصورةِ وغير ذلك فقال ربِّ لو سويتَ بين عبادكَ ، فقال إنّي أحبُّ أن أُشْكرَ ، ورأى فيهِم الأنبياءُ مثل السرُجِ وخُصّوا بميثاٍ آخَرَ بالرسالةِ والنبوةِ فذلكَ قوله  : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيِنَ مِيْثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ } وهُوَ قوله تعالى  : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدّيْنِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ } وقوله تعالى  : { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُوْلَى } وقوله تعالى  : { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُم لَفَاسِقِينَ } وكان روحُ عيسى من تلكَ الأرواحُ التي أخذَ عليها الميثاقُ فأرسل ذلكَ الروحُ إلى مريمَ حين انتُبِذتْ من أهلها مكانا شرقيا فدخلَ من فيها) ([17]).

(عن أُبيِّ بنِ كعبٍ في قولِه تعالَى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قال  : جمعهم فجعلهم أرواحًا ثمَّ صوَّرهم ثمَّ استنطقهم فتكلَّموا فأخذ عليهم العهدَ والميثاقَ ألَّا إلهَ غيرُه وأنَّ روحَ عيسَى كانت في تلك الأرواحِ فأرسل إلى مريمَ ذلك الرُّوحَ ، فسُئل مقاتلُ بنُ حيَّانَ أين ذلك الرُّوحُ ؟ فذكر عن أبي العاليةِ عن أُبيٍّ أنَّه دخل من فيها) ([18]).

63 - إني عندَ اللهِ لخاتَمُ النبيينَ وإنَّ آدَمَ لمُنْجَدِلٌ في طينتِهِ وسأُنَبِّئُكُمْ بأوِّلِ ذلِكَ دعوةُ إبراهيمَ وبشْرَى عيسى ورؤْيَا أُمِّي التي رأَتْ وكذَلِكَ أمَّهَاتُ المؤمنينَ يَرَيْنَ وفِي روايَةٍ وإنَّ أمَّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأتْ حينَ وضعتْهُ نورًا أضاءَتْ منه قصورُ الشامِ وفي روايَةٍ وبشارَةُ عيسى قومَهُ) ( [19]) .‏

193 - إنِّي عندَ اللَّهِ لمَكتوبٌ خاتمِ النَّبيِّينَ وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِهِ سأنبئِّكُم بأوَّلِ أمري دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورُؤيا أمِّيَ رأَت حينَ ولدَتني كأنها خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ لَه قصورُ الشَّامِ) ( [20]) .

(إنِّي عندَ اللَّهِ لخاتِمُ النَّبيِّينَ ، وإنَّ آدمَ لمنجدِلٍ في طينتِهِ ، وسأنبِّئُكُم بأوَّلِ ذلِكَ : دَعوةُ أبي إبراهيمَ ، وبشارَةُ عيسى بي ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت ، وَكَذلِكَ أمَّهاتِ النبيِّينَ يريْنَ) ( [21]) .

(إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه ، وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ، وبِشارةُ عيسَى ، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت - حين وضعَتني - وقد خرج لها نورٌ أضاءَت لها منه قصورُ الشَّامِ .) ( [22]) .

( أنَا دَعوَةُ إِبراهِيمَ ، و كان آخِرَ مَن بُشِّرَ بِي عِيسَى ابنُ مَريَمَ) ([23]) .

224 - قلتُ يا رسولَ اللهِ ما كان بدءُ أوَّلِ أمرِكَ قال دعوةُ إبراهيمَ وبُشْرَى عيسى ورأَتْ أُمِّي أنَّهُ يَخْرُجُ منها نورٌ أضاءَتْ منه قصورُ الشامِ) ( [24]) .

202 - عن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهم قالوا له أَخبِرْنا عن نفسِك قال نعم أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى عليهما السلامُ ورأَتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام واستُرضِعْتُ في بني سعدِ بنِ بكرٍ فبينا أنا في بَهمٍ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بِيضٌ معهما طَستٌ من ذهبٍ مملوءٍ ثلجًا فأضجعاني فشقَّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقَّاه فأخرَجا منه علقةً سوداءَ فألقَياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلجِ حتى إذا أَلقياه ردَّاه كما كان ثم قال أحدُهما لصاحبه زِنْه بعشرةٍ من أمَّتِه فوزنَني بعشرةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بمائةٍ من أمَّتِه فوزنني بمائةٍ فوزنتُهم ثم قال زِنْه بألفٍ من أمتِه فوزنني بألفٍ فوزنتُهم فقال دَعْه عنك فلو وزنتَه بأمَّتِه لوزنَهم) ( [25]) .

203 - عن أصحاب رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنهم قالوا يا رسولَ اللهِ أخبِرْنا عن نفسِك قال دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرى عيسى ورأت أمي حين حَبَلَتْ كأنه خرج منها نورٌ أضاءتْ له بُصرَى من أرضِ الشامِ) ( [26]) .

207 - يا رسولَ اللهِ أخْبِرْنا عن نفسِكَ ، قال : دعوةُ أبي إبراهيمَ وبُشرَى عيسَى ، ورأت أُمِّي حينَ حَمَلَتْ بي كأنَّهُ خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ لهُ قصورُ بُصرَى مِن أرضِ الشَّامِ) ( [27]) .


ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها

(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران 36 - 37).

 (سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ  : ( ما من بني آدمَ مولودٌ إلا يمسُّهُ الشيطانُ حين يُولَدُ ، فيستهِلُّ صارخًا من مسِّ الشيطانِ ، غيرَ مريمَ وابنها ) . ثم يقولُ أبو هريرةَ : {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .) ([28]).

شرح الحديث

في هذا الحديثِ بَيانُ فَضْلِ عيسى ابنِ مَرْيَمَ وأُمِّه عليهما السَّلامُ؛ حيث أخْبَر رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ كُلَّ مولودٍ كَتَبَ اللهُ عليه أن يَمَسَّه الشَّيطانُ يَوْمَ مَولِدِه، يَعنِي: يَنالُه الشَّيطانُ بيَدِه عندَ وِلادتِه، فيَستَهِلُّ صارخًا من هذا المسِّ، يَعنِي يَصرُخُ عندَ وِلادتِه من أَثَرِ هذا المسِّ، إلَّا مَريمَ عليها السَّلامُ وابنَها عيسى عليه السَّلامُ؛ فإنَّ اللهَ عَصَمَهما من ذلك ببَرَكَةِ دُعاءِ أُمِّ مَريمَ، كما في قَولِه تعالى: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36].

(ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ : واقرَؤوا إن شِئتُم : {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران : 36].) ([29]).

(ما من مولودٍ يولدُ إلا نَخَسَه الشيطانُ . فيستهلُّ صارخًا من نخسةِ الشيطانِ . إلا ابنَ مريمَ وأمَّه . ثم قال أبو هريرةَ  : اقرؤا إن شئتم  : { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [ 3 / آل عمران / 36 ] . وفي روايةٍ  : يمسُّه حين يولدُ ، فيستهلُ صارخًا من مسةِ الشيطانِ إياه . وفي حديثِ شعيبٍ  : من مسّ الشيطانِ) ([30]).

(كلُّ بني آدمَ يمسُّه الشيطانُ يومَ ولدتُه أمُّه . إلا مريمَ وابنَها) ([31]).

 (كلُّ إنسانٍ تلِدُهُ أمُّهُ على الفطرةِ وأبواهُ ، بعد ، يُهَوِّدانِهِ و ينصِّرانِهِ و يمجِّسانِهِ فإن كانا مُسْلِمَينِ فمُسلمٌ كلُّ إنسانٍ تلدُهُ أمُّهُ يلكَزُهُ الشَّيطانُ في حُضنيهِ إلاَّ مريمَ وابنَها) ([32]).

(كلُّ مَولودٍ يولَدُ مِن بني آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيطانُ بإصبَعِه إلَّا مَريَمَ وابنَها عليهِما السَّلامُ) ([33]).

(كلُّ مولودٍ يطعنُ الشيطانُ في جنبِهِ إلا عيسَى بنَ مريمَ فإنهُ ذهبَ يطعنُ فطعنَ في الحجابِ) ([34]).

(ما من مولودٍ يولَدُ إلَّا نخسَهُ الشَّيطانُ فيستَهلُّ صارخًا من نخسةِ الشَّيطانِ إلَّا ابنَ مريمَ وأمَّهُ) ([35]).

(كلُّ بني آدمَ يَمَسُّهُ الشيطانُ يومَ ولدتْهُ أمُّهُ إلَّا مَرْيَمَ وابنَها) ([36]).

(كُلُّ بني آدمَ يَطْعَنُ الشيطانُ في جنبَيْهِ بإصبَعِهِ حينَ يولَدُ غيرَ عيسى ابنِ مريمَ ، ذهبَ يطعَنُ فطعَنَ في الحجابِ) ([37]).

(كلُّ بني آدمَ يطعنُ الشيطانَ في جنبيهِ بإصبعِه حين يولدُ، غير عيسى ابنِ مريمَ، ذهب يطعن فطُعن في الحجابِ .) ([38]).

 (كلُّ بني آدمَ يطعنُ الشيطانُ في جنبِه حين يُولَدُ إلا عيسى بنَ مريمَ ذهب يطعُنُ فطعنَ في الحجابِ) ( [39]) .

 (كل إنسانٍ تلدُه أمُّه يلكزُه الشيطانُ في حضينِه إلا ما كان من مريمَ وابنِها ألم ترَ إلى الصبيِّ حين يسقطُ كيف يصرخُ قالوا بلى يا رسولَ اللهِ قال ذلك حين يلكزُه الشيطانُ بحضينِه) ( [40]) .

(ما مِنْ مولودٍ وُلِدَ ، إلَّا نَخَسَهُ الشيطانُ ، فيَستهِلُّ صارخًا مِنْ نخْسِةِ الشيطانِ ، إلَّا ابنَ مريمَ وأُمِّهِ) ([41]) .

 (كلُّ مَولودٍ من بَني آدمَ يمسُّهُ الشَّيطانُ بإصبَعِهِ إلَّا مريمَ ابنةَ عِمرانَ وابنَها عيسَى عليهِما السَّلامُ) ( [42]) .

(ما من بني آدمَ مولودٌ إلا يمسُّه الشيطانُ حين يُولَدُ ، فيستهلُّ صارخًا من مسِّ الشيطانِ، غيرَ مريمَ و ابنِها) ( [43]) .

(كلُّ إنسانٍ تلدُه أمُّه يلكزُه الشيطانِ بحِضنَيه إلا ما كان من مريمَ وابنِها ، ألم تَرو إلى الصبيِّ حين يسقطُ كيف يصرخُ ؟ قالوا  : بلى يا رسولَ اللهِ ، قال  : فذاك حين يلكزُه الشيطانُ بحِضنَيه) ( [44]) .


وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) (المؤمنون 50)

(من شهدَ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه ، وأن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه ، والجنةُ حقٌّ ، والنارُ حقٌّ ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العملِ .) ( [45]) .

شرح الحديث : افترى النَّصارَى على اللهِ الكذِبَ، وادَّعَوْا أنَّ له ولدًا، وهو مِن أقبحِ ما قيل في حقِّه سبحانه؛ ولذلك فإنَّ الإيمانَ لا يستقيمُ لأحدٍ حتَّى يُقِرَّ بوحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وأنَّه مُنزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ؛ فهو الأحدُ الصَّمَدُ، الَّذي لم يلِدْ ولم يولَدْ، وفي هذا الحديثِ تعريضٌ بالنَّصارى في ادِّعائِهم على اللهِ الولدَ؛ فإنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَر أَّن الجنَّةَ هي مثوى مَن شهِد أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ، ورُوحٌ منه، ومعنى قوله: وكلمتُه: أنَّه خُلِقَ بقولِه تعالى: كُنْ، وقيل: إنَّ هذا إشارةٌ إلى أنَّه حجَّةُ اللهِ على عبادِه، أبدَعَه مِن غير أبٍ، وأنطَقه في غيرِ أوانِه، وأحيَا الموتى على يدِه، وقيل: لأنَّه قال في صِغَره: إنِّي عبدُ اللهِ، ومعنى قوله: ورُوحٌ منه، أي: إنه مخلوق مِن رُوحٍ مخلوقةٍ، وأُضِيفت الرُّوحُ إلى اللهِ على وجهِ التَّشريفِ؛ كما قال سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، أي: مِن خَلقِه ومِن عندِه، وتسميتُه عليه السَّلام بالرُّوحِ؛ لأنَّه وُجِدَ مِن غيرِ أبٍ، فأحياه اللهُ تعالى مِن غيرِ الأسبابِ المُعتادة.

وقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أدخلَه اللهُ الجنَّةَ على ما كان مِن العملِ، دليلٌ على أنَّ العُصاةَ مِن المُسلِمين لا يُخَلَّدون في النَّارِ، والمعنى: أنَّ مَن شهِد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وأنَّ النَّارَ حقٌّ، والجنَّةَ حقٌّ - يدخُلُ الجنَّةَ في حالِ استحقاقِه العذابَ بموجِبِ أعمالِه مِن الكبائرِ.

(من قال  : أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسَى عبدُ اللهِ وابنُ أمتِه وكلِمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه ، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ ، وأنَّ النَّارَ حقٌّ، أدخله اللهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء . وفي روايةٍ  : لأدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من عملٍ ولم يذكُرْ " من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثَّمانيةِ شاء " .) ( [46]) .

(مَن شَهِدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسى عبدُه ورسولُه، وابنُ أَمَتِهِ ، وكلمتُه ، ألقاها إلى مريمَ ، ورُوحٌ منه ، وأنَّ الجنةَ حقٌّ ، وأنَّ النارَ حقٌّ، وأنَّ البَعْثَ حقٌّ ، أدخله اللهُ الجنةَ – على ما كان من عملٍ – من أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاء) ( [47]).

(من شَهِدَ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له وأن مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وأن عيسى عبدُ اللهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه وأن الجنةَ حَقٌّ وأن النارَ حَقٌّ وأن البعثَ حَقٌّ أدخله اللهُ من أَيِّ أبوابِ الجنةِ شاء) ( [48]) .

(من شهِد أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، وأنَّ عيسَى بنَ مريمَ عبدُ اللهِ ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ، أدخله اللهُ الجنَّةَ على ما كان من عملٍ) ( [49]) .

(عن ابنِ عباسٍ قال : كانت تلبيةُ موسى : لبَّيك اللهمَّ لبَّيك ، عبدُك وابنُ عبدَيْك ، وكانت تلبيةُ عيسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لبَّيك عبدُك وابنُ أمتِك ، وكانت تلبيةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لبَّيك لا شريكَ لك لبَّيك) ( [50]) .


{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيلِ، وبإيمانهم بمحمدٍ وتصديقهم

( كانت ملوكٌ بعد عيسى ابنِ مريمَ - عليه الصلاة والسلام - بدَّلوا التوراةَ والإنجيلَ، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراةَ، قيل لملوكهم  : ما نجد شتمًا أشدَّ من شتمِ يشتمونا هؤلاءِ ! إنهم يقرءون  : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون}، وهؤلاء مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم، فادعُهم فليقرءوا كما نقرأُ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم، فجمعهم، وعرض عليهم القتلَ، أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ، إلا ما بدَّلوا منها، فقالوا  : ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا ! فقالتْ طائفةٌ منهم  : ابنوا لنا أسطوانةً، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامَنا وشرابَنا، فلا نردُّ عليكم، وقالت طائفةٌ منهم  : دعونا نسيحُ في الأرض، ونهيم ونشرب كما يشرب الوحشُ، فإن قدرتم علينا في أرضِكم، فاقتلونا، وقالت طائفةٌ منهم  : ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبارَ، ونحترثُ البقولَ، فلا نرِدُ عليكم ولا نمرُّ بكم، وليس أحدٌ من القبائل إلا وله حميمٌ فيهم، قال  : ففعلوا ذلك، فأنزل اللهُ عز وجل  : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ }، والآخرون قالوا  : نتعبَّد كما تعبد فلانٌ، ونسيح كما ساح فلانٌ، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به، فلما بعث اللهُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولم يبق منهم إلا قليلٌ، انحطَّ رجلٌ من صومعته وجاء سائحٌ من سياحته، وصاحبِ الديرِ من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله تبارك وتعالى  : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيلِ، وبإيمانهم بمحمدٍ وتصديقهم قال  : { وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } القرآنُ، واتباعهم النبيَّ قال  : {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } يتشبهون بكمْ { أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } الآية) ([51]) ، شرح الحديث ([52]).


لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ

 (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة 72)

(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (المائدة 75)

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) (النساء 171)

 (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (المائدة 17)

 (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (التوبة 31)

(قدمَ [ عديُّ بنُ حاتمٍ ] على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال  : فقلتُ له  : إنَّا لسنا نعبدُهم ، قال  : أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه ، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه ، قال  : قلتُ  : بلى ، قال  : فتلك عبادتُهم) ( [53]) .

(أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وفي عنقي صليبٌ من ذَهبٍ. فقالَ يا عديُّ اطرح عنْكَ هذا الوثَنَ وسمعتُهُ يقرأُ في سورةِ براءةٌ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ أما إنَّهم لم يَكونوا يعبدونَهم ولَكنَّهم كانوا إذا أحلُّوا لَهم شيئًا استحلُّوهُ وإذا حرَّموا عليْهم شيئًا حرَّموه) ( [54]) .

شرح الحديث

حَثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أصحابَه على أنْ يَترُكوا عاداتِ الجاهليَّةِ وأوثانَها، وكان صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم يَنْهاهم عن التَّشبُّهِ بالمشركينَ أو اليهودِ أو النَّصارى، ومن ذلك ما جاءَ في هذا الحديثِ، حيثُ يقولُ عديُّ بنُ حاتمٍ رَضِي اللهُ عَنه: "أتَيْتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وفي عُنُقي صَليبٌ مِن ذهَبٍ"، أي: وقد علَّقْتُ في عُنقي سلسلةً فيها صليبٌ مِن ذهَبٍ، والصَّليبُ شِعارُ النَّصارى، وكان عديُّ بنُ حاتمٍ نصرانيًّا، ثمَّ جاءَ فأسلَم، "فقال"، أي: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم لعدِيِّ بنِ حاتمٍ: "يا عديُّ، اطرَحْ عنكَ هذا الوَثَنَ"، أي: انزِعْ عنكَ هذا الصَّليبَ وأَلْقِه، والوَثَنُ هو الصَّنَمُ، وكلُّ ما جَسَّدَ شيئًا فهو وَثَنٌ، سواءٌ كان مِن طينٍ أو حجارةٍ، أو خشَبٍ أو حديدٍ، "وسَمِعْتُه يقرَأُ في سورةِ بَرَاءةَ"، أي: وسمِعَ عديُّ بنُ حاتمٍ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم وهو يقرَأُ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]"، أي: إنَّ اليهودَ اتَّخَذَتْ أحبارَهم، والنَّصارى اتَّخَذَتْ رُهبانَهم آلهةً مِن دونِ اللهِ، "قال"، أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "أمَا إنَّهم لم يكونوا يَعبُدونهم"، أي: إنَّ اليهودَ والنَّصارى لم يكونوا يعبُدون أحبارَهم ورُهبانَهم، "ولكنَّهم"، أي: اليهودَ والنَّصارى، "كانوا إذا أحَلُّوا لهم شيئًا استحَلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئًا حرَّموه"، أي: إنَّ الأحبارَ والرُّهبانَ كانوا إذا أحَلُّوا شيئًا استحَلَّه أتباعُهم، وإذا حرَّموا شيئًا امتَنَع عنه أتباعُهم، وكأنَّهم بذلك اتَّخَذوا أحبارَهم ورُهبانَهم آلهةً مِن دونِ اللهِ، يُحِلُّون لهم، ويُحرِّمونَ عليهم.

وفي الحديثِ: أنَّ التَّحليلَ والتَّحريمَ مِن خَصائصِ اللهِ جلَّ وعلا، وأنَّ مَن اتَّبعَ أحدًا في ذلك فقد اتَّخذَه إلهًا مِن دُونِه.


يُلَقَّى عيسى حجَّتَه في قولِه  : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه فلقَّاه اللهُ  : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ الآية كلَّها

 (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ  * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة 116 - 117)

(تَلَقَّى عيسى حُجَّتَه ، ولَقَّاه اللهُ في قولِه  : وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ؟ قال أبو هريرةَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم  : فلَقَّاه اللهُ : ( سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) الآيةَ كلَّها) ( [55]) .

(عن أبي هُرَيْرةَ قالَ  : يُلَقَّى عيسَى حجَّتَهُ ، ولقَّاه اللَّهُ في قولِهِ  : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالَ أبو هُرَيْرةَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلقَّاهُ اللَّهُ  : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إلى آخرِ الآيةِ) ( [56]) .

 

(تلَقَّى عيسى حُجَّتَه ، فلقَّاه اللهُ في قوله  : ( وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلَهَيِنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) فلقَّاه اللهُ  : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، الآيةُ كلُّها) ( [57]) .

 (يُلَقَّى عيسى حجَّتَه في قولِه  : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه فلقَّاه اللهُ  : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ الآية كلَّها) ( [58]) .

(يُلقَّى عيسى حجَّتَهُ فلقَّاهُ اللَّهُ في قولِهِ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ أبو هريرةَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فلقَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ الآيةَ كلَّها.) ( [59]) .

شرح الحديث : اللهُ عزَّ وجلَّ سوفَ يسأَلُ الأنبياءَ يومَ القيامةِ عمَّا أجابَتْ به أُمَمُهم وقومُهم، وماذا قالوا لهم؛ حتَّى يُبرِّئَ اللهُ رُسلَه، ويكونَ الخزيُ على الكافرينَ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "يُلقَّى عِيسَى حُجَّتَه"، أي: إنَّ اللهَ تعالى يُعلِّمُ ويُرشِدُ عيسى عليه السَّلامُ حُجَّتَه، فلقَّاه اللهُ في قولِه تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116]، أي: يخاطِبُ اللهُ تعالى نبيَّه عيسى، ويسأَلُه وهو أعلَمُ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي: أنتَ دعوتَ النَّاسَ إلى أن يعبُدوكَ أنتَ وأمَّكَ مِن دونِ اللهِ؟! قال أبو هُرَيرةَ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: "فلقَّاه اللهُ"، أي: أعلَمَه اللهُ حُجَّتَه، وهي: {سُبْحَانَكَ}، أي: تنزَّهْتَ يا ربِّ عن ذلكَ، {مَا يَكُونُ لِي}، أي: ما يَنبغي لي {أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}، أي: أن أدَّعِيَ لنفسي ما ليس لها؛ فإنَّني عبدٌ، وما أمَرْتُهم إلَّا بالتَّوحيدِ، الآيةَ كلَّها، وهي: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ}، أي: مِن دعوةِ النَّاسِ لعبادتي وأمِّي {فَقَدْ عَلِمْتَهُ}، أي: إنَّكَ تعلَمُ، فرَدَّ العِلمَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، واللهُ يعلَمُ أنَّه لم يقُلْ ذلك، {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}؛ فإنَّكَ لا يَخفَى عليك شيءٌ مِن أمري، سِرِّي وعلانيتي، {وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، أي: إنَّك مُحيطٌ بالعلومِ الغَيبيَّةِ، ما كان منها وما سيكونُ، وما هو كائنٌ، وهذه مَقالةٌ صادقةٌ تَنفي أكاذيبَ النَّصارى الَّتي وصفَوا بها عبدَ اللهِ ورسولَه عيسى عليه السَّلامُ.

(عن أبي هُرَيرةَ قال : يُلَقَّى عِيسَى حُجَّتَه, فلقَّاه اللهُ في قولِه : {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة : 116]، قال أبو هُرَيرةَ, عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم : فلقَّاه اللهُ : {سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة : 116] الآيةَ كلَّها.) ( [60]) .


المرتدون الذين ارتدوا على عهدِ أبي بكرٍ ، فقاتلهم أبو بكرٍ رضي الله عنه، يقال فيهم : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ

(إنكم محشورونَ حُفاةً عُراةً غُرلًا ، ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلينَ} . وأولُ من يُكسى يومَ القيامةِ إبراهيمُ ، وإنَّ أناسًا من أصحابي يؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ، فأقول : أصحابي أصحابي ، فيقولُ : إنهم لم يزالوا مُرتدِّين على أعقابِهم منذُ فارقتَهم، فأقول كما قال العبدُ الصالحُ : { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ - إلى قوله - الْحَكِيمُ } ) .) ( [61]) .

انظر شرح الحديث رقم 9919:

(تحشرون حفاةً عراةً غرلًا ، ثم قرأ  : كما بدأْنا أولَ خلقٍ نُعيدُه وعدًا علينا إنا كنا فاعلين . فأولُ من يُكسى إبراهيمُ ، ثم يؤخذُ برجالٍ من أصحابي ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ ، فأقولُ  : أصحابي، فيقالُ: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابِهم منذ فارقتهم ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ عيسى ابنُ مريمَ  : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. قال محمدُ بنُ يوسفَ  : ذكر عن أبي عبدِ اللهِ ، عن قَبيصةَ قال  : هم المرتدون الذين ارتدوا على عهدِ أبي بكرٍ ، فقاتلهم أبو بكرٍ رضي الله عنه .) ( [62]) .

 شرح الحديث :

يُبَيِّن لنا صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم المَشهدَ في الآخِرةِ بأنَّ النَّاس سيُحشَرون عِندَ الخُروجِ مِن القُبورِ حُفاةً بلا خُفٍّ ولا نَعلٍ، عُراةً بلا ثيابٍ "غُرلًا" غَيرَ مَختونينَ، قالَ تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ}، أي: نوجِده بِعَينه بَعدَ إعدامِه مرَّة أُخرى {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الإعادةَ والبَعثَ. وأوَّل مَن يُكْسى مِن الأنبياءِ يَومَ القيامةِ إبراهيمُ الخَليلُ، ثُمَّ يُؤخَذ برِجالٍ مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم ذاتَ اليَمينِ، وهي جهةُ الجنَّةِ، وذاتَ الشِّمالِ وهي جهةُ النَّار، فيقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: هؤلاءِ أصحابي، فيُقالُ: إنَّهم لَم يَزالوا مُرتَدِّين على أعقابِهم بالكُفر مُنذُ فَارَقْتَهم. فيقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم كما قالَ العبدُ الصَّالِح عيسى ابنُ مَريمَ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} مُشاهِدًا لأحوالِهم من كُفْر وإيمانٍ {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} المُراقِبَ لأحوالِهم {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} مُطَّلِع عَليه مُراقِب له {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ولا اعتراضَ على المَالِك المُطلَق فيما يَفعَل في مُلكِه {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الَّذي لا يُثيبُ ولا يُعاقِب إلَّا عن حِكمةٍ. ويُبَيِّن قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ شَيْخُ البُخَارِيِّ أنَّ المَقصودَ مِن قولِه: فيُقالُ إنَّهم لَم يَزالوا مُرتَدِّين.. إلخ": هُم المُرتَدُّون مِن الأعرابِ الَّذين ارتَدُّوا عن الإسلامِ على عَهدِ أبي بَكْر الصِّدِّيقِ في خِلافتِه فقاتَلَهم أبو بَكْر رضي الله عنه. ولا رَيبَ أنَّ مَن ارْتدَّ سُلِبَ اسمَ الصَّحبةِ؛ لأنَّها نِسبةٌ شَريفةٌ إسلاميَّةٌ فَلا يَستحِقُّها مَن ارتدَّ بَعدَ أن اتَّصفَ بها.

في الحديثِ: إخبارُه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عنِ الغَيبِ.  وفيه: فَضلُ إبراهيمَ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم.  وفيه: فَضلُ عيسى ابنِ مَريمَ عليه السَّلام.  وفيه: بيانُ الحَشرِ وما فيه.  وفيه: أنَّ اللهَ قَد يَخصُّ أحدًا من الأنبياءِ أو غيرِهم بِخصِّيصةٍ يَتمَيَّز بها عَن غيرِه، ولا يُوجِب ذلكَ الفَضلَ المُطلَق.

 (إنَّكم مَحشورون إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، ثمَّ إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى يومَ القيامةِ إبراهيمُ، ألَا إنَّه يُجاءُ برِجالٍ مِن أمَّتي فيُؤخَذُ بهم ذاتَ الشِّمالِ، فأقولُ: يا ربِّ، أصحابي، فيُقالُ: لا تَدْري ما أحدَثوا بعدَك، فأقولُ كما قال العَبدُ الصَّالحُ: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ}، إلى قولِه: {شَهِيدٌ} [المائدة: 117]، فيُقالُ: إنَّ هؤلاء لَم يَزالوا مُرتدِّين على أعقابِهم منذُ فارَقْتَهم.) ( [63]) .

(قام فينا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَخطُبُ فقال : ( إنكم تُحشَرون حُفاةً عُراةً غُرلًا : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } . الآية، وإن أولَ الخلائقِ يُكسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ، وإنه سيُجاءُ برجالٍ من أمتي فيُؤخَذُ بهم ذاتَ الشِّمالِ، فأقولُ : يا ربِّ أصحابي، فيقولُ : إنك لا تدري ما أحدَثوا بعدَك، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ - إلى قوله - الْحَكِيمُ ) . قال : فيُقالُ : إنهم لم يزالوا مُرتَدِّينَ على أعقابِهم ) .) ( [64]) .

(خطَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : ( يا أيُّها الناسُ ، إنكم مَحشورونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرلًا ، ثم قال : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} . إلى آخِرِ الآيةِ، ثم قال : ألا وإنَّ أولَ الخلائقِ يُكسى يومَ القيامةِ إبراهيمُ ، ألا وإنه يُجاءُ برجالٍ من أُمَّتي فيؤخَذُ بهم ذاتُ الشمالِ ، فأقولُ : يا ربِّ أُصَيحابي ، فيُقالُ : إنك لا تَدري ما أحدَثوا بعدَك ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} . فيُقالُ : إنَّ هؤلاءِ لم يَزالوا مُرتَدِّينَ على أعقابِهم منذُ فارَقتَهم ) .) ( [65]) .

147 - أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تلا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ : { رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ 14 / إبراهيم / الآية - 36 ] الآية وقال عيسى عليه السلام : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم)[ 5 / المائدة / الآية - 118 ] فرفعَ يديهِ وقال اللهمَّ ! أُمَّتي أُمَّتي وبكى . فقال اللهُ عزَّ وجلَّ : يا جبريلُ ! اذهب إلى محمدٍ، - وربُّكَ أعلمُ -، فسَلهُ ما يُبكيكَ ؟ فأتاهُ جبريلُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فسَألهُ.فأخبرهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بما قالَ . وهو أعلمُ . فقال اللهُ : يا جبريلُ ! اذهبْ إلى محمدٍ فقلْ : إنَّا سنُرضيكَ في أُمَّتكَ ولا نَسُوءُكَ .) ( [66]) .

 (قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطيبًا بموعظةٍ . فقال : يا أيها الناسُ ! إنكم تُحشرون إلى اللهِ حفاةٌ عراةٌ غرلًا . كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ، وَعْدًا عَلَيْنَا ، إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء: 104] ألا وإنَّ أول الخلائقِ يُكسى ، يومَ القيامةِ ، إبراهيمُ ( عليهِ السلامُ ) . ألا وإنَّهُ سيُجاءُ برجالٍ من أمتي فيُؤخذ بهم ذاتُ الشمالِ . فأقولُ : يا ربِّ ! أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول، كما قال العبدُ الصالحُ : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيٍء شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحْكَيمُ [ المائدة: 117 - 118 ] قال فيقال لي : إنهم لم يزالوا مرتدينَ على أعقابهم منذُ فارقتهم . وفي حديثِ وكيعٍ ومعاذٍ: فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدكَ .) ( [67]) .

(قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بموعظةٍ فقال : يا أيها الناسُ إنكم محشورونَ إلى اللهِ حفاةً عراةً غُرلًا { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } ألا وإنَّ أولَ الخلقِ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ وإنه سيُجاءُ بأناسٍ من أمتي فيُؤخذُ بهم ذاتُ الشمالِ فلأقولَنَّ أصحابي فليُقالنَّ لي إنك لا تدري ما أحدَثوا بعدَك فلأقولَن كما قال العبدُ الصالحُ {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} إلى { فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } فيُقالُ : إنَّ هؤلاءِ لم يزالوا مرتدَّين على أعقابِهم منذُ فارقتَهم قال شُعبةُ : أَمَلَّهُ على سفيانَ فأَمَلَّهُ علَىَّ سفيانُ مكانَه) ( [68]) .

(يا أَيُّها الناسُ ! إنكم تُحْشَرُونَ إلى اللهِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أَلَا وإنَّ أولَ الخلائقِ يُكْسَى يومَ القيامةِ إبراهيمُ ، أَلَا وإنه يُجاءُ برجالٍ من أُمَّتِي فيُؤْخَذُ بهم ذاتَ الشمالِ، فأقولُ يا ربِّ أصحابي ! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدَك ، فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ : كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فيُقالُ : إن هؤلاءِ لم يزالوا مُرْتَدِّينَ على أعقابِهم منذ فارَقْتَهم) ( [69]) .

(يُحشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ حفاةً عراةً غرلاً كما خُلِقوا ثمَّ قرأَ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ وأوَّلُ من يُكسى منَ الخلائقِ إبراهيمُ ويُؤخَذُ من أصحابي برجالٍ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ فأقولُ يا ربِّ أصحابي فيقالُ إنَّكَ لاَ تدري ما أحدَثوا بعدَكَ إنَّهم لم يزالوا مرتدِّينَ على أعقابِهم منذُ فارقتَهم فأقولُ كما قالَ العبدُ الصَّالحُ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ( [70]) .

(قامَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بالموعظةِ فقالَ يا أيُّها النَّاسُ إنَّكم مَحشورونَ إلى اللَّهِ عُراةً غُرلًا ثمَّ قرأ كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ إلى آخرِ الآيةِ قالَ أوَّلُ من يُكْسى يومَ القيامةِ إبراهيمُ وإنَّهُ سيُؤتَى برجالٍ من أمَّتي فيؤخَذُ بِهِم ذاتَ الشِّمالِ فأقولُ ربِّ أصحابي فيقالُ إنَّكَ لا تدري ما أحدَثوا بعدَكَ فأقولُ كما قالَ العبدُ الصَّالحُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ إلى آخرِ الآيةِ فيقالُ هؤلاءِ لم يزالوا مرتدِّينَ علَى أعقابِهِم منذُ فارقتَهُم) ( [71]) .


لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ ولَكِن قولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ

(لا تُطْروني ، كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريمَ ، فإنما أنا عبدُه ، فقولوا : عبدُ اللهِ ورسولُه) ( [72]).

شرح الحديث: في هذا الحديثِ يُرشدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَّتَه إلى ألَّا يُبالِغوا في مدحِه، وألَّا يُنزِلوه فوقَ مَنزلتِه، فيقولُ عليه السَّلام: لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النَّصارى ابنَ مريمَ، أي: لا تمدحوني بالباطلِ وبما ليس لي مِن الصِّفاتِ، كما وصَفَتِ النَّصارى عيسى بما لم يكُنْ فيه، فزعَموا أنَّه ابنُ اللهِ، فكفَروا بذلك وضلُّوا.

ثمَّ أمَرَهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يقولوا عنه: إنَّه عبدُ اللهِ ورسولُه، فأمَّا وصفُه بما فضَّله اللهُ به وشرَّفه فحقٌّ واجبٌ على كلِّ مَن بعَثه اللهُ إليه مِن خَلْقِه.

(عن عُمرَ رضيَ اللهُ عنه أنَّه قال : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بَعَثَ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحقِّ، وأَنزَلَ معه الكِتابَ، فكان ممَّا أُنزِلَ عليه آيةُ الرَّجمِ، فرَجَمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَجَمْنا بَعدَه، ثمَّ قال : قد كنَّا نَقرَأُ : ولا تَرغَبوا عن آبائِكُم؛ فإنَّه كُفْرٌ بكُم، أو : إنَّ كُفْرًا بكُم، أنْ تَرغَبوا عن آبائِكُم. ثمَّ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : لا تُطْرُوني كما أُطرِيَ ابنُ مريمَ، وإنَّما أنا عبْدٌ، فقولوا: عبْدُه ورسولُه- وربَّما قال مَعْمَرٌ : كما أَطرَتِ النَّصارى ابنَ مريمَ-.) ( [73]) .

(لا تُطرونِي كما أَطرتِ النصارى عيسى ابن مريمَ فإنّما أنا عبدُ اللهِ ورسوله) ( [74]) .

(لا تُطروني كما أطرتِ النصارى عيسى بنَ مريمَ ، وقولوا  : عبدُ اللهِ ورسولُه) ( [75]) .

(لا تُطروني كما أطرتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ ، فإنَّما أنا عبدٌ ، فقولوا  : عبدُ اللهِ ورسولِهِ) ([76])

(لا تُطروني كما أطرتْ النصارى عيسى بنَ مريمَ فإنما أنا عبدٌ فقولوا  : عبدُ اللهِ ورسولُه) ( [77]) .

(لا تطروني كما أطرَتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ فإنَّما أنا عبدٌ ، فقولوا عبدُ اللهِ ورسولِهِ) ( [78]) .

(لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النَّصارى عيسى ابنَ مريمَ عليه السَّلامُ؛ فإنَّما أنا عبْدُ اللهِ ورسولُه.) ( [79]) .

(لا تُطروني ، كَما أطرَتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ عليهِ السَّلامُ فإنَّما أَنا عبدٌ فَقولوا  : عبدُهُ ورسولُهُ) ( [80]) .

(لا تطرُوني كما أطرتِ النصارَى ابنَ مريمَ إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُه) ( [81]) .

(لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريمَ ، فإنما أنا عبدٌ ، فقولوا ، عبدُ اللهِ ورسولُه) ( [82]) .

(لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارَى عيسَى ابنَ مريمَ ولَكِن قولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ) ( [83]) .

(لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النَّصارَى ابنَ مريمَ ، إِنَّما أنا عَبْدٌ ، فَقولوا  : عبدُ اللهِ ورسولُهُ) ( [84]) .

(كنتُ أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عِندَ عُمَر بن الخطابِ في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال  : لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليومَ، فقال  : يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان ؟ يقول  : لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن  : فقُلْت : يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالتْ يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قُلْت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتْك، ويضعونها على مواضعها . فقال عمر  : والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أو ل مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس  : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يومَ الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عُمَر بن الخطابِ، فلما رأيته مقبلا، قُلْت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل  : ليقولن العشية مقالتْ لم يقُلْها منذ استخلف، فأنكر علي وقال  : ما عسيت أن يقول ما لم يقُلْ قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال  : أما بعد، فإني قائل لكم مقالتْ قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقُلْها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقُلْها فلا أحل لأُحُدٍ أن يكذب علي  : إن الله بعث محمدا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقُلْناها ووعيناها، رجم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل  : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله  : أن لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا ثم إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال  : ( لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم، وقولوا  : عبد الله ورسوله ) . ثم إنه بلغني قائل منكم يقول  : والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول  : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقُلْت لأبي بكر  : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا  : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقُلْنا  : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقُلْت  : والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزمل بين ظهرانيهم، فقُلْت  : من هذا ؟ فقالوا  : هذا سعد بن عبادة، فقُلْت  : ما له ؟ قالوا  : يوعك، فلما جلسنا قُلْيلا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال  : أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنتُ قد زورت مقالتْ أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنتُ أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال  : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أُحُدٍ هذين الرجلُين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عِندَ الموت شيئا لا أجده الآن . فقال قائل من الأنصار  : أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش . فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقُلْت  : ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم  : قتلتم سعد بن عبادة، فقُلْت : قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر  : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة  : أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا .) ( [85]) .

شرح الحديث :

يَحْكي ابنُ عَبَّاس رضي الله عنهما فَيَقول: كُنتُ "أُقْرِئُ"، أي: أُعَلِّم رِجالًا مِن المُهاجِرينَ القُرْآنَ، مِنهم عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، فَبَيْنما أَنا في مَنزِلِه بِمِنًى وهو عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها عُمَرُ رضي الله عنه؛ إذ رَجَعَ إلَيَّ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله عنه، فَقالَ: لو رَأَيتَ رَجُلًا أَتى أَميرَ المُؤمِنينَ اليومَ لَرَأَيْتَ عَجبًا، فَقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، هَل لَك في فُلانٍ يَقول: لَو قَد ماتَ عُمَرُ لَقَد بايَعتُ فَلانًا، فَواللهِ ما كانت بَيْعةُ أَبي بَكْر إلَّا "فَلْتةً"، أي: فَجأةً مِن غيرِ تَدَبُّرٍ. فَتَمَّت المُبايَعةُ بذلك، فَغَضِبَ عُمَرُ رضي الله عنه، ثمَّ قالَ: إنِّي إن شاءَ اللهُ لَقائِمٌ العَشيَّةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرهم هؤلاء الَّذينَ يُريدونَ أن يَغصِبوهم أُمورَهم. فَقالَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، لا تَفعَل، فَإنَّ المَوْسِمَ يَجْمَع "رِعاعَ النَّاسِ": الجَهَلةَ الأَراذِلَ، أو الشَّبابَ مِنهم، "وغَوْغاءَهم" الكَثيرَ المُختَلِطَ مِن النَّاسِ، فإنَّهم هُم الَّذين يَغلِبونَ على قُربِك، أي: المَكانِ الَّذي يَقرُب مِنك. حينَ تَقوم في النَّاسِ لِلخُطبةِ لِغَلَبتِهم، ولا يَترُكون المَكانَ القَريبَ إلَيْك لِأولي النُّهى مِن النَّاسِ. وأنا أَخْشى أَن تَقومَ فَتَقول مَقالةً "يُطَيِّرها عنك كُلُّ مُطَيِّر"، أي: يَحمِلونها على غَيرِ وجْهِها. وأَن لا يَعوها، لا يَعرِفوا المُرادَ مِنها، وأن لا يَضَعوها على مَواضِعِها، فَأَمْهِل حتَّى تَقدَمَ المَدينةَ، فَإنَّها دارُ الهِجرةِ والسُّنَّةِ، "فَتَخْلُص"، أي: تَصِل بأهلِ الفِقْهِ وأَشْرافِ النَّاسِ، فَتَقول ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعي أَهلُ العِلمِ مَقالتَك ويَضَعونَها على مَواضعِها، فَقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَما واللهِ، إنْ شاءَ اللهُ لَأَقومَنَّ بذلك أَوَّلَ مَقامٍ أَقومُه بِالمَدينةِ. ويَحْكي ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فلمَّا كانَ يَوْمَ الجُمُعةِ بَعْدَ قُدومِه المَدينةَ عَجَّلْنا الرَّواحَ حينَ زاغَت الشَّمسُ، أي: زالَتْ عِندَ اشْتِدادِ الحَرِّ حتَّى أَجِدَ سَعيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ رضي الله عنه جالِسًا إلى رُكنِ المِنْبَرِ، فَجَلَستُ حَولَه تَمَسُّ رُكْبَتي رُكْبتَه، فَلَم "أَنْشَب"، أي: أَمْكُث، أن خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه مِن مَكانِه إلى جِهة المِنْبَرِ. فلمَّا رَأَيتُه مُقبِلًا، قُلتُ لِسَعيدِ بنِ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ رضي الله عنه: ليَقولَنَّ العَشيَّةَ مَقالةً لَم يَقُلْها مُنذُ اسْتُخلِفَ قَطُّ قَبْلَه، فأَنْكرَ عَلَيَّ وقالَ: ما عَسَيْتَ أن يَقولَ ما لَم يَقُل قَبْلَه، فَجَلَسَ عُمَرُ رضي الله عنه على المِنْبَرِ، فلمَّا سَكَتَ المُؤَذِّنونَ قامَ فَأَثْنى على اللهِ بِما هو أَهلُه، ثمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإنِّي قائِلٌ لَكُم مَقالةً قَد قُدِّرَ لي أن أَقولَها، لا أَدْري لَعَلَّها بَيْنَ أَيدي أَجَلي، أي: بِقُربِ وَفاتي، فَمَن عَقَلَها ووَعاها فَليُحَدِّث بِها حَيْثُ انْتَهَتْ بِه راحِلتُه، ومَن خَشِيَ أن لا يَعقِلَها فَلا أُحِلُّ لأَحَدٍ أن يَكذِبَ عَلَيَّ، إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى الله عليه وسلَّم بالحَقِّ، وأَنزَلَ عليه الكِتابَ العَزيزَ الَّذي لا يَأتيه الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْه ولا مِن خَلفِه، فَكانَ مِمَّا أَنزَلَ اللهُ آية الرَّجمِ، فَقَرَأْناها وعَقِلْناها ووَعَيْناها؛ فَلِذا رَجَمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلَّم، ورَجَمْنا بَعدَه، فَأَخافُ إنْ طالَ بِالنَّاسِ زَمانٌ أن يَقولَ قائِلٌ مِنهم: واللهِ ما نَجِد آيةَ الرَّجمِ في كِتابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَركِ فَريضةٍ أَنزَلَها اللهُ تَعالى في كِتابِه، والرَّجْمُ في كِتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زَنى إذا أُحْصِنَ، أي: تَزَوَّج وكانَ بالِغًا عاقِلًا مِن الرِّجالِ والنِّساءِ إذا قامَت البَيِّنةُ، أو كانَ "الحَبَلُ"، أي: وُجِدَت المَرأةُ الخَليَّةُ مِن زَوْجٍ أو سَيِّد حُبْلى، ولَم تَذكُر شُبهةً ولا إكراهًا أو كانَ الاعتِرافُ، أي: الإقْرارُ بالزِّنى، والاستِمرارُ عليه، ثمَّ إنَّا كُنَّا نَقْرَأُ فيما نَقْرَأُ مِن كِتابِ اللهِ: (أن لا تَرغَبوا عن آبائِكم فَتَنتَسِبوا إلى غَيْرِهم فإنَّه كُفرٌ بِكُم أن تَرغَبوا عن آبائِكم إن استَحلَلتُموه أو إنَّ كُفْرًا بِكم أن تَرغَبوا عن آبائِكم) أَلَا ثمَّ إنَّ رَسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلَّم قالَ: «لا تُطروني»: لا تُبالِغوا في مَدْحي بالباطِلِ، كَما أُطْرِيَ عيسى ابنُ مَرْيَمَ، وقولوا عَبْدُ اللهِ ورَسولُه، ثمَّ إنَّه بَلَغَني أنَّ قائِلًا مِنكم يَقول: واللهِ، لَو ماتَ عُمَرُ بايَعتُ فَلانًا، فَلا يَغْتَرَّنَّ امرُؤٌ أن يَقولَ: إنَّما كانَتْ بَيْعةُ أَبي بَكْر "فَلْتةً"، أي: فَجْأةً مِن غَيرِ مَشورةٍ مَعَ جَميعِ مَنْ كانَ يَنبَغي أن يُشاوَروا وتَمَّت، ألا وإنَّها كانَت كذلِك، ولَكِنَّ اللهَ "وَقى"، أي: دَفَعَ شَرَّها، ولَيْسَ مِنكم مَن تُقْطَع الأَعْناقُ إلَيْه، أي: أَعْناقُ الإبِلِ، مِن كَثرةِ السَّيْرِ إلَيْه، مِثْلُ أَبي بَكْر رضي الله عنه في الفَضلِ والتَّقَدُّمِ، مَن بايَعَ رَجُلًا عن غَيرِ مَشورة مِن المُسلِمينَ فَلا يُبايَع هو ولا الَّذي بايَعَه، "تَغِرَّةً"، أي: مَخافةَ أَن يُقْتَلا، أَي: المُبايَع والمُبايِع، وأَنَّه قَد كانَ مِن خَبرِنا حينَ تَوَفَّى اللهُ نَبيَّه صَلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الأنْصارَ خالَفونا واجتَمَعوا بأَسْرِهم في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ؛ لِفَصلِ القَضايا وتَدبيرِ الأُمورِ، وخالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ ومَن مَعَهما، فَلَم يَجتَمِعوا مَعَنا عِنْدَها حينَئِذٍ، واجْتَمَعَ المُهاجِرونَ إلى أَبي بَكْر رضي الله عنه، فَقُلتُ لِأَبي بَكْر رضي الله عنه: يا أَبا بَكْر، انْطَلِقْ بِنا إلى إخْوانِنا هؤلاء مِن الأنْصارِ، فانْطَلَقْنا نُريدهم، فَلمَّا دَنَوْنا مِنهم لَقيَنا رَجُلانِ صالِحانِ، هما عُوَيْمُ بنُ ساعِدةَ ومَعْنُ بنُ عُدَيٍّ الأَنْصاريُّ، فَذَكَرا ما "تَمالى"، أي: اتَّفَقَ عليه القَوْمُ، مِن أنَّهم يُبايِعون لِسَعْدِ بنِ عُبادةَ، فَقالا: أَينَ تُريدون يا مَعْشَرَ المُهاجِرينَ؟ فقُلْنا: نُريد إخْوانَنا هؤلاء مِن الأَنْصارِ، فَقالا: لا عليكم، أن لا تَقرَبوهم، اقْضوا أَمرَكم، فقُلتُ: واللهِ، لَنَأتِينَّهم، فانْطَلَقْنا حتَّى أَتَيْناهم في سَقيفةِ بَني ساعِدةَ، فَإذا رَجُل "مُزَّمِّل"، أي: مُتَلَفِّفٌ بِثَوْبِه بَيْنَ ظَهْرانَيْهم، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: هذا سَعْدُ بنُ عُبادةَ. فقُلتُ: ما له؟ قالوا: "يُوعَك"، أي: يَحصُل له الوَعْكُ، وهو حُمَّى بِنافِض. فلمَّا جَلَسنا قَليلًا تَشهَّد خَطيبُهم، فَأَثْنى على اللهِ بِما هو أَهلُه، ثمَّ قالَ: أَمَّا بَعدُ، فَنَحْنُ أَنْصارُ اللهِ لِدينِه وكَتيبةُ الإسلامِ، وأنتُم مَعْشَرَ المُهاجِرينَ "رَهْط" ما دونَ العَشَرةِ، أي: فأنتُم قَليلٌ بِالنِّسبةِ إلى الأَنْصارِ، وقَد "دَفَّتْ": سارَتْ دافَّة، رُفقة قَليلة مِن مَكَّةَ إلَيْنا مِن الفَقرِ مِن قَومِكم، فَإذا هُم يُريدون أَن "يَختزِلونا"، أي: يَقطَعونا مِن أصلِنا، وأن "يَحضُنونا"، أي: يُخرِجونا مِن الأمْرِ، أي: مِن الإمارةِ، ويَستَأثِروا بِها علينا، قالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فلمَّا سَكَتَ خَطيبُ الأنصارِ أَرَدتُ أن أَتَكلَّمَ وكُنتُ زَوَّرتُ: هَيَّأتُ وحَسَّنتُ، مَقالةً أَعجَبتْني أُريد أن أُقدِّمَها بَيْن يدَيْ أَبي بَكْر رضي الله عنه، وكُنتُ أُداري مِنه بَعضَ ما يَعتَريه مِن الحَدِّ، أي: كالغضبِ، فلمَّا أَرَدتُ أن أَتكَلَّمَ. قال أَبو بَكْر رضي الله عنه: "على رِسْلِك"، أي: استَعمِل الرِّفقَ والتُّؤَدةَ، فكَرِهتُ أن أُغضِبَه، فَتكَلَّم أَبو بَكْر رضي الله عنه، يَقول عُمَرُ: فَكانَ هو أَحلَمَ مِنِّي، "والحِلمُ" هو الطُّمَأنينةُ عِندَ الغَضَبِ، "وأَوْقَرَ": مِن الوَقارِ، وهو التَّأنِّي في الأُمورِ والرَّزانةِ عِندَ التَّوَجُّهِ إلى المَطالِبِ، واللهِ ما تَرَكَ مِن كَلِمة أَعجَبتْني في تَزويري إلَّا قالَ في بَديهتِه مِثلَها أو أَفضلَ حتَّى سَكَتَ. فَقالَ أَبو بَكْر رضي الله عنه: ما ذَكَرتُم فيكم مِن خَيرٍ فأنتُم لَه أَهلٌ، ولَن يُعرَف هذا الأَمرُ إلَّا لِهذا الحَيِّ مِن قُرَيْش، هُم "أَوْسَطُ العَرَبِ": أَعدَلُها وأَفضَلُها نَسبًا ودارًا، وقَد رَضيتُ لكُم أَحَدَ هذَيْن الرَّجُلينِ، فَبايِعوا أَيَّهما شِئتُم. يَقول عُمَرُ رضي الله عنه: فَأَخَذَ أَبو بَكْر رضي الله عنه بيَدي وبيَدِ أَبي عُبَيْدةَ بنِ الجَرَّاحِ رضي الله عنه، وهو جالِس بَيْنَنا، فَلَم أَكْرَه ممَّا قالَ غَيرَها، كانَ واللهِ أن أُقَدَّمَ فَتُضرَب عُنُقي لا يُقَرِّبني ذلك مِن إثمٍ، أي: ضَرْبًا لا أَعْصي اللهَ بِه، أَحَبَّ إلَيَّ مِن أن أَتَأمَّر على قَوْمٍ فيهم أَبو بَكْر رضي الله عنه، اللَّهُمَّ إلَّا أن "تُسَوِّلَ"، أي: تُزَيِّن إلَيَّ نَفْسي عِندَ المَوْتِ شَيْئًا لا أَجِده الآنَ، فَقالَ قائِل الأَنْصارِ حُبابُ بنُ المُنْذِرِ رضي الله عنه: أَنا جُذَيْلها المُحَكَّكُ، "الجُذَيْل" وهو أَصلُ الشَّجَرِ، ويُرادُ بِه هُنا الجِذْع الَّذي تُرْبَطُ إلَيْه الإبِلُ الجَرْباءُ، وتَنضَمُّ إلَيْه لِتَحتَكَّ، والتَّصْغير للتَّعظيمِ، و"المُحَكَّك" وصَفَه بذلك؛ لِأَنَّه صارَ أَملسَ لِكَثرةِ ذلك، يَعْني أنا مِمَّن يُستَشفى بِه، كما تَستَشِفي الإبِلُ الجَرباءُ بهذا الاحتِكاكِ، "وعُذَيْقها" النَّخلة، "المُرْجَّب" رَجَّبتَ النَّخلةَ تَرجيبًا إذا دَعَّمتَها ببِناءٍ أو غَيرِه خَشيةً عليها؛ لِكَرامتِها وطولِها وكَثرةِ حِمْلِها أن تَقَعَ أو يَنكسِرَ شَيءٌ مِن أغصانِها أو يَسقُط شَيء مِن حِملِها. مِنَّا مَعْشَر الأَنْصارِ أميرٌ ومِنكُم أَميرٌ يا مَعْشَرَ قُرَيْش، فَكَثُرَ "اللَّغَط"، أي: الصَّوْتُ والجَلَبةُ، وارتَفَعَت الأصواتُ، حتَّى "فَرَقتُ" خِفتُ مِن الاخْتِلافِ. فَقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: ابْسُطْ يَدَك يا أَبا بَكْر أُبايِعك، فَبَسَطَ يَدَه فَبايَعتُه وبايَعَه المُهاجِرونَ، ثمَّ بايَعتْه الأَنْصارُ، "وَنَزَوْنا"، أي: وثَبْنا على سَعْدِ بنِ عُبادةَ رضي الله عنه، فَقالَ قائِل مِنهم: قَتَلتُم سَعْدَ بنَ عُبادةَ، أَيْ صَيَّرتُموه بالخِذْلانِ وسَلبِ القُوَّةِ كالمَقتولِ، فَقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: قَتَلَ اللهُ سَعدَ بنَ عُبادةَ، وإنَّا واللهِ ما وجَدْنا فيما حَضَرْنا مِن أَمرٍ أَقْوى مِن مُبايَعةِ أَبي بَكْر رضي الله عنه؛ لأنَّ إهْمالَ أَمْرِ المُبايَعةِ كانَ يُؤدِّي إلى الفَسادِ الكُلِّيِّ، وأَمَّا دَفْنُه صَلَّى الله عليه وسلَّم فَكانَ العَبَّاسُ وعَليٌّ وطائِفةٌ مُباشِرينَ لذلك، خِفْنا إنْ فارَقنا القَوم ولَم تَكُن بَيْعة أن يُبايِعوا رَجُلًا مِنهُم بَعدَنا، فَإمَّا بايَعناهُم على ما لا نَرضى، وإمَّا نُخالِفهم، فَيَكون فَسادٌ، فَمَن بايَعَ رَجُلًا على غَيرِ مَشورة مِن المُسلِمينَ فَلا يُتابَع هو ولا الَّذي بايَعَه، "تَغِرَّة": مَخافةَ أن يُقْتَلا فَلا يَطمَعنَّ أَحدٌ أن يُبايَع وتَتِمَّ لَه المُبايَعةُ، كَما وقَعَ لأَبي بَكْر الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.

في الحَديثِ: أنَّ العِلْمَ يُصانُ عن غَيرِ أَهْلِه، ولا يُحدَّث مِنه النَّاسُ إلَّا بما يُرجى ضَبْطُهم له.  وَفيه: أن يَرُدَّ على الإمامِ بَعضُ أَصحابِه إذا لاحَ الأَصوَبُ والأَوْلى.  وَفيه: رُجوعُ الإمامِ إلى الصَّوابِ، وتَركُ ما كانَ مِن قَوْلِه هو لِقَولِ النَّاصِحِ مِن مَأموميه.  وفيه: أنَّ الدَّقيقَ مِن الأحكامِ يَنْبَغي أن يُتَوَخَّى بِنَشرِه خَواصُّ النَّاسِ ووُجوهُهم وأَشرافُهم، مِمَّن تَقَدَّمَت مِنه الدَّرَجةُ، فيَضَع كُلَّ شَيءٍ مِنه على مَوضِعِه


عن علي بن أبي طالب : (دعاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : إنَّ فيكَ مِنْ عيسى مثَلًا أبغضَته يهودُ حتى بَهتوا أمَّه وأحبَّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلِ الذي ليسَ بهِ)

(دعاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : إنَّ فيكَ مِنْ عيسى مثَلًا أبغضَته يهودُ حتى بَهتوا أمَّه وأحبَّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلِ الذي ليسَ بهِ ألا وإنَّهُ يهلِك فيَّ اثنان محبٌّ يقرِّظُني بما ليس فيَّ ومبغضٌ يحملُه شنآني على أنْ يبهتَني إلا أني لستُ بنبيٍّ ولا يُوحى إليَّ ولكني أعملُ بكتابِ الله وسنةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما استطعتُ فما أمرتُكم من طاعةِ اللهِ فحقٌّ عليكم طاعتي فيما أحببتُم وكرِهتُم) ( [86]) .

 (فيكَ مثلٌ مِنْ عيسى أبغضَتْه اليهودُ حتى بَهَتوا أمَّه وأحبَّتْه النصارى حتى أنزلوه بالمنزلةِ التي ليستْ بهِ ثم قال : يَهلَكُ فيَّ رجلان محبٌّ مُفرِطٌ يُقرِّظُني بما ليس فيَّ ومُبغضٌ يحملُه شَنَآني على أن يَبْهتني) ( [87]) .


الهجرة إلى أرضِ النَّجاشِيِّ، وبيان أنّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ هو عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراءِ البَتولِ

(لمَّا نزلنا أرضَ الحبشةِ جاورَنا بها خيرَ جارٍ النجاشيَّ أَمِنَّا على دِينِنَا وعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُؤْذَى ولَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ فَلمَّا بَلَغَ ذلك قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أنْ يَبْعَثُوا إلى النجاشِيِّ فينا رجلَيْنِ جَلْدَيْنِ وأنْ يَهْدُوا لِلنَّجاشِيِّ هدَايا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ من مَتاعِ مَكَّةَ وكَانَ أَعْجَبَ ما يَأْتِيهِ منهَا الأَدَمُ فجَمَعُوا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا ولَمْ يَتْرُكُوا من بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلَّا أهدوا لهُ هديَّةً وبعَثُوا بِذَلِكَ مع عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ - وعَمْرِو بنِ العَاصِ بنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ وأَمَّرُوهُمَا أَمْرَهُمْ وقَالُوا لَهُمَا ادْفَعُوا إلى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل أنْ تُكَلِّمُوا النَّجاشيَّ فيهمْ ثمَّ قَدِّمُوا لِلنجاشِيِّ هداياهُ ثمَّ اسْأَلُوهُ أنْ يُسَلِّمَهُمْ إليكُمْ قبلَ أنْ يُكَلِّمَهُمْ قالتْ فخرجا فقدِمَا على النَّجَاشِيِّ ونحن عِنْدَهُ بِخَيْرِ دارٍ وخَيْرِ جارٍ فلمْ يَبْقَ من بَطَارِقَتِهِ بطريقٍ إلَّا دَفَعَا إليه هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ ثمَّ قالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ إنَّه قَدْ ضَوَى إلى بلدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكُمْ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتُمْ وقَدْ بَعَثَنَا إلى المَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إليهمْ فإذا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عليْه أنْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْنَا ولَا يُكَلِّمَهُمْ فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمَا نَعَمْ ثمَّ قَرَّبُوا هَدَاياهُمْ إلى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ ثمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ أَيُّهَا المَلِكُ قَدْ صَبا إلى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكَ وجَاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولَا أَنْتَ وقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ من آبائِهِمْ وأَبْنَائِهِمْ وعَشَائِرِهِمْ ; لِنَرُدَّهُمْ إليهمْ فَلَهُمْ أَعْلَى بهم عَيْنًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وعَاتَبُوهُمْ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ أَبْغَضُ إلى عَبْدِ اللهِ بنِ أبي رَبِيعَةَ وعَمْرِو بنِ العَاصِ من أنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلَامَهُمْ فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ صَدَقُوا أَيُّهَا المَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بهم عَيْبًا وأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إليهمْ فَلْيَرُدَّاهُمْ إلى بِلَادِهِمْ وقَوْمِهِمْ فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ وقَالَ لا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذًا لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْهِمَا ولَا أَكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي ونَزَلُوا بِلَادِي واخْتارُونِي على مَنْ سِوَايَ حتى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يقولُ هَذَانِ في أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا ورَدَدْتُهُمْ إلى قَوْمِهِمْ وإِنْ كَانُوا على غيرِ ذلك مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا وأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ ما جَاوَرُونِي قالتْ ثمَّ أَرْسَلَ إلى أَصْحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَدَعَاهُمْ فَلمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في الرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما عَلَّمَنَا ومَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا جَاءُوهُ وقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فقال ما هذا الدِّينُ الذي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ ولَمْ تَدْخُلُوا في دِينِي ولَا في دِينِ أَحَدٍ من هذه الأُمَمِ؟ قالتْ وكَانَ الذي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ - عليْه السَّلَامُ - قال أَيُّهَا المَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ ونَأْكُلُ المَيْتَةَ ونَأْتِي الفَوَاحِشَ ونَقْطَعُ الأَرْحامَ ونُسِيءُ الجِوَارَ ويَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا على ذلك حتى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأَمَانَتَهُ وعَفَافَهُ فَدَعَانَا إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ; لِنُوَحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ ونَخْلَعَ ما كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وآباؤُنَا من دُونِ اللهِ من الحِجَارَةِ والْأَوْثَانِ وأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ وأَدَاءِ الأَمَانَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ الجِوَارِ والْكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّمَاءِ ونَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وشَهَادَةِ الزُّورِ وأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ وقَذْفِ المُحْصَنَةِ وأَمَرَنَا أنْ نَعْبُدَ اللهَ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وإِقَامَ الصَّلَاةِ وإِيتاءَ الزَّكَاةِ - قالتْ فَعَدَّدَ عليْه أُمُورَ الإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وآمَنَّا بِهِ واتَّبَعْنَاهُ على ما جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللهَ وحْدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وحَرَّمْنَا ما حَرَّمَ عَلَيْنَا وأَحْلَلْنَا ما أَحِلَّ لنا فَغَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وفَتَنُونَا عن دِينِنَا ; لِيَرُدُّونَا إلى عِبادَةِ الأَوْثَانِ من عِبادَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأَنْ نَسْتَحِلَّ ما كُنَّا نَسْتَحِلُّ من الخَبائِثِ فَلمَّا قَهَرُونَا وظَلَمُونَا وشَقُّوا عَلَيْنَا وحالُوا بَيْنَنَا وبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إلى بَلَدِكَ واخْتَرْنَاكَ على مَنْ سِوَاكَ ورَغِبْنَا في جِوَارِكَ ورَجَوْنَا أنْ لا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا المَلِكُ قالتْ فقال النَّجَاشِيُّ هل مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ من شَيْءٍ؟ قالتْ فقال لَهُ جَعْفَرٌ نَعَمْ قالتْ فقال لَهُ النَّجَاشِيُّ فَاقْرَأْهُ فَقَرَأَ عليْه صَدْرًا من (كهيعص) قالتْ فَبَكَى واللهِ النَّجَاشِيُّ حتى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حتى أَخْضَلُوا مَصاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا ما تَلَا عَلَيْهِمْ ثمَّ قال النَّجَاشِيُّ إِنَّ هذا واللهِ والَّذِي جَاءَ بِهِ موسى لَيَخْرُجُ من مِشْكَاةٍ واحِدَةٍ انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لا أُسَلِّمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا ولَا أَكَادُ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَلمَّا خَرَجَا من عِنْدِهِ قال عَمْرُو بنُ العَاصِ واللهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا أَعِيبُهُمْ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَأْصَلَ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ فقال لَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي رَبِيعَةَ - وكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا - لا تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحامًا وإِنْ كَانُوا قَدْ خالَفُونَا قال واللهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ - عليْه السَّلَامُ عَبْدٌ - قالتْ ثمَّ غَدَا عليْه الغَدُ فقال أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا فَأَرْسِلْ إليهمْ فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ قالتْ فَأَرْسَلَ إليهمْ يَسْأَلُهُمْ عنه قالتْ ولَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا واجْتَمَعَ القَوْمُ فقال بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ما تَقُولُونَ في عِيسَى إِذَا سَأَلَكُمْ عنه قَالُوا نَقُولُ واللهِ ما قال اللهُ - عزَّ وجلَّ - ومَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كَائِنٌ في ذلك ما هو كَائِنٌ فَلمَّا دَخَلُوا عليْه قال لَهُمْ ما تَقُولُ في عِيسَى بنِ مَرْيَمَ؟ فقال لَهُ جَعْفَرُ بنُ أبي طَالِبٍ نَقُولُ فِيهِ الذي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو عبدُ اللهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ البَتُولِ قال فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إلى الأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ثمَّ قال ما عَدَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ ما قُلْتَ هذا العُودَ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقُهُ حَوْلَهُ حِينَ قال ما قال فقال وإِنْ نَخَرْتُمْ واللهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي - والسُّيُومُ الآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي دُبُرًا ذَهَبًا وأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - والدُّبُرُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ الجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَاياهُمَا فَلَا حاجَةَ لِي فِيهِمَا فَوَاللَّهِ ما أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فَآخُذَ فِيهِ الرِّشْوَةَ ومَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ فَخَرَجَا من عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا ما جَاءَا بِهِ وأَقَمْنَا عِنْدَهُ في خَيْرِ دَارٍ مع خَيْرِ جَارٍ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعَلَى ذلك إِذْ نَزَلَ بِهِ - يَعْنِي مَنْ يُنَازِعُهُ في مُلْكِهِ - قالتْ واللهِ ما عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ من حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذلك ; تَخَوُّفًا أنْ يَظْهَرَ ذلك على النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لا يَعْرِفُ من حَقِّنَا ما كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ قالتْ وسَارَ النَّجَاشِيُّ وبَيْنَهُمَا عُرْضُ النِّيلِ قالتْ فقال أَصْحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حتى يُحْضِرَ وقِيعَةَ القَوْمِ ثمَّ يَأْتِيَنَا؟ قالتْ فقال الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ أَنَا قالتْ وكَانَ من أَحْدَثِ القَوْمِ سِنًّا قالتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلُوهَا في صَدْرِهِ فَسَبَحَ عَلَيْهَا حتى خرج إلى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى القَوْمِ ثمَّ انْطَلَقَ حتى حَضَرَهُمْ قالتْ ودَعَوْنَا اللهَ عزَّ وجلَّ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ على عَدُّوِهِ والتَّمْكِينِ لَهُ في بِلَادِهِ واسْتَوْسَقَ عليْه أَمْرُ الحَبَشَةِ فَكُنَّا عِنْدَهُ في خَيْرِ مَنْزِلٍ حتى قَدِمْنَا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهُوَ بِمَكَّةَ) ( [88]) .

 (أمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن ننطَلِقَ مع جعفرِ بنِ أبي طالبٍ إلى أرضٍ للنجاشيِّ ، فبلَغ ذلك قريشًا ، فبعَثوا عمرَو بنَ العاصِ ، وعمارةَ بنَ الوليدِ وجمَعوا للنجاشيِّ هديةً ، قال  : فقدِمْنا وقدِما على النجاشيِّ ، فأتَوه بهديتِه فقبِلها وسجَدوا له ، ثم قال له عمرُو بنُ العاصِ  : إنَّ قومًا منا رغِبوا عن دينِنا وهم في أرضِكَ ، فقال لهم النجاشيُّ  : في أرضي ؟ قالوا  : نعَم ، قال  : فبعَث إلينا فقال لنا جعفرٌ  : لا يتكَلَّمَنَّ منكم أحدٌ فأنا خطيبُكم اليومَ ، فانتهَينا إلى النجاشيِّ وهو جالسٌ في مجلِسِه ، وعمرُو بنُ العاصِ عن يمينِه ، وعمارةُ بنُ الوليدِ عن يسارِه ، والقِسِّيسونَ والرُّهبانُ جلوسٌ سماطي ، وقد قال عمرُو بنُ العاصِ ، وعمارةُ إنهم لا يسجُدونَ لكَ فلما انتهَينا إليه دنَونا ، قال مَن عندَه منَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ  : اسجُدوا للملكِ ، فقال جعفرٌ  : لا نسجُدُ إلا للهِ عزَّ وجلَّ , قال  : فلما انتهَينا إلى النجاشيِّ ، قال: ما منعَكَ أن تسجُدَ ؟ قال  : لا نسجُدُ إلا للهِ , عزَّ وجلَّ ، قال له النجاشيُّ  : وما ذاكَ ؟ قال  : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بعَث فينا رسولَه وهو الذي بشَّر به عيسى ابنُ مريمَ , عليه السلامُ , برسولٍ يأتي مِن بعدِه اسمُه أحمدُ ، قال  : فأمَرَنا أن نعبدَ اللهَ ، ولا نُشرِكَ به شيئًا ، ونُقيمَ الصلاةَ ، ونؤتي الزكاةَ ، وأمَرَنا بالمعروفِ ، ونهانا عنِ المُنكَرِ ، قال  : فأعجَب النجاشيَّ قولُه ، فلما رأى ذلك عمرُو بنُ العاصِ قال  : أصلَح اللهُ الملكَ ، إنَّهم يُخالِفونَكَ في ابنِ مريمَ ، قال النجاشيُّ لجعفرٍ  : ما يقولُ صاحبُكَ في ابنِ مريمَ ، قال  : يقولُ فيه قولَ اللهِ , عزَّ وجلَّ, هو روحُ اللهِ وكلمتُه ، أخرَجه منَ العذراءِ البتولِ التي لم يَقرَبْها بشرٌ ، قال  : فتناوَل النجاشيُّ عودًا منَ الأرضِ ، وقال  : يا معشرَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ ، ما يزيدُ هؤلاءِ على ما نقولُ في ابنِ مريمَ ما يزِنُ هذه ، مرحبًا بكم وبمَن جئتُم مِن عندِه ، فأنا أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وأنه الذي بشَّر به عيسى ابنُ مريمَ ، ولولا ما أنا فيه منَ المُلكِ لأتيتُه حتى أحمِلَ نعلَيه ، امكُثوا في أرضي ما شئتُم ، وأمَر لنا بطعامٍ وكسوةٍ ، وقال  : رُدُّوا على هؤلاءِ هديتَهم، قال  : وكان عمرُو بنُ العاصِ رجلًا قصيرًا وكان عمارةُ بنُ الوليدِ رجلًا جميلًا ، قال : فأقبَلا في البحرِ إلى النجاشيِّ فشرِبوا منَ الخمرِ ، ومع عمرِو بنِ العاصِ امرأتُه ، فلما شرِبوا منَ الخمرِ ، قال عمارةُ لعمرٍو  : مُرِ امرأتَكَ فلْتُقَبِّلْني ، قال عمرٌو  : أما تَستَحي ؟ فأخَذ عمارةُ عَمرًا فرمى به في البحرِ ، فجعَل عمرٌو يناشِدُ عمارةَ حتى أدخَلَه السفينةَ فحقَد عليه عمرٌو ذلك ، فقال عمرٌو للنجاشيِّ  : إنكَ إذا خرَجتَ خَلَف عمارةُ في أهلِكَ ، قال  : فدَعا النجاشيُّ بعمارةَ ، فنفَخ في إحليلِه فصار مع الوحشِ) ( [89])

 (لَمَّا نَزَلْنا أرضَ الحبشةِ جاوَرْنا بها خيرَ جارٍ النَّجاشيَّ؛ أَمِنَّا على دِينِنا، وعَبَدْنا اللهَ، لا نؤذَى ولا نَسمَعُ شيئًا نَكرَهُه. فلمَّا بَلَغ ذلكَ قُريشًا ائْتَمَروا أنْ يَبعَثوا إلى النَّجاشيِّ فينا رَجُلَينِ جَلْدَينِ، وأنْ يُهْدوا للنَّجاشيِّ هَدايا ممَّا يُستطرَفُ مِن مَتاعِ مكَّةَ، وكان مِن أعجَبِ ما يَأتيهِ منها إليه الأَدَمُ، فجَمَعوا له أَدَمًا كثيرًا، ولمْ يَتركوا مِن بَطارِقَتِه بِطْريقًا إلَّا أَهدَوْا له هديَّةً، ثمَّ بَعَثوا بذلكَ مع عبدِ اللهِ بنِ أبي ربيعةَ بنِ المُغيرةِ المَخزوميِّ وعَمرِو بنِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْميِّ، وأَمَروهما أمْرَهُم، وقالوا لهُما : ادفَعوا إلى كلِّ بِطْريقٍ هديَّتَه قَبْل أنْ تُكلِّموا النَّجاشيَّ فيهِم، ثمَّ قَدِّموا للنَّجاشيِّ هَداياهُ، ثمَّ سَلُوه أنْ يُسْلِمَهُم إليكُم قَبْل أنْ يُكلِّمَهُم. قالتْ : فخرَجَا، فقَدِمَا على النَّجاشيِّ، ونحنُ عِندَه بخيرِ دارٍ، وعِندَ خيرِ جارٍ، فلمْ يَبْقَ مِن بَطارِقَتِه بِطْريقٌ إلَّا دَفَعَا إليه هديَّتَه قَبْل أنْ يُكلِّما النَّجاشيَّ، ثمَّ قالا لكلِّ بِطْريقٍ منهُم : إنَّه قد صَبَا إلى بلدِ الملِكِ منَّا غِلمانٌ سفهاءُ، فارَقوا دِينَ قومِهِم، ولمْ يَدخُلوا في دِينِكُم، وجاؤوا بدِينٍ مُبتدَعٍ لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتُم، وقد بَعَثَنا إلى الملِكِ فيهِم أشرافُ قومِهِم؛ لِيَرُدَّهُم إليهِم، فإذا كلَّمْنا الملِكَ فيهِم فأَشِيروا عليه بأنْ يُسْلِمَهُم إلينا ولا يُكلِّمَهُم؛ فإنَّ قَومَهُم أعلى بهِم عَيْنًا، وأَعلَمُ بما عابوا عليهِم. فقالوا لهُما : نعَم. ثمَّ إنَّهُما قَرَّبَا هداياهُم إلى النَّجاشيِّ، فقَبِلَها منهُما، ثمَّ كلَّماهُ فقالا له : أيُّها الملِكُ، إنَّه قد صَبَا إلى بلدِكَ منَّا غِلمانٌ سُفهاءُ، فارَقوا دِينَ قومِهِم، ولمْ يَدخُلوا في دِينِكَ، وجاؤُوا بدِينٍ مُبتدَعٍ لا نَعرِفُه نحنُ ولا أنتَ، وقد بعَثَنا إليكَ فيهم أشرافُ قومِهِم مِن آبائِهِم وأعمامِهِم وعشائِرِهِم؛ لتَرُدَّهُم إليهِم؛ فهُم أعلى بهِم عَينًا، وأَعلَمُ بما عابوا عليهِم، وعاتَبوهُم فيه. قالتْ : ولمْ يَكُنْ شيءٌ أَبغضَ إلى عبدِ اللهِ بنِ أبي رَبيعةَ وعَمرِو بنِ العاصِ مِن أنْ يَسمَعَ النَّجاشيُّ كلامَهُم. فقالتْ بَطارِقَتُه حَوْلَه : صدَقوا أيُّها الملِكُ، قومُهُم أعلى بهِم عَينًا، وأَعلَمُ بما عابوا عليهِم، فأَسْلِمْهُم إليهِما، فلْيَرُدَّاهُم إلى بلادِهِم وقومِهِم. قال : فغَضِبَ النَّجاشيُّ، ثمَّ قال : لا هَيْمُ اللهِ إذًا لا أُسْلِمُهُم إليهِما، ولا أُكادُ قومًا جاوَروني ونَزلوا بلادي واختاروني على مَن سِوايَ، حتَّى أَدْعوَهُم فأَسألَهُم ما يقولُ هذانِ في أمْرِهِم، فإنْ كانوا كما يَقولانِ أَسْلَمْتُهُم إليهِما وردَدْتُهُم إلى قَومِهِم، وإنْ كانوا على غيرِ ذلكَ منَعْتُهُم منهُما وأحسنْتُ جِوارَهُم ما جاوَروني. قالتْ : ثمَّ أَرسَلَ إلى أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فدَعاهُم، فلمَّا جاءَهُم رسولُه اجتَمَعوا، ثمَّ قال بعضُهُم لبعضٍ : ما تَقولون للرَّجُلِ إذا جِئْتُموهُ؟ قالوا : نَقولُ واللهِ ما عَلِمْنا، وما أَمَرَنا به نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كائِنٌ في ذلكَ ما هو كائِنٌ. فلمَّا جاؤُوه - وقد دَعَا النَّجاشيُّ أَساقِفَتَه، فنَشَروا مصاحفَهُم حَوْلَه - سألَهُم، فقال : ما هذا الدِّينُ الَّذي فارَقْتُم فيه قومَكُم ولمْ تَدخُلوا في دِيني ولا في دِينِ أحدٍ مِن هذه الأُمَمِ؟ قالتْ : فكان الَّذي كلَّمَه جعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له : أيُّها الملِكُ، كنَّا قَومًا أهلَ جاهليَّةٍ، نَعبُدُ الأصنامَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونَأتي الفواحشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يَأكُلُ القَويُّ منَّا الضَّعيفَ، فكنَّا على ذلكَ حتَّى بَعَث اللهُ إلينا رسولًا منَّا نَعرِفُ نسبَه وصِدْقَه، وأمانتَه وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لِنوحِّدَه ونَعبُدَه ونَخلَعَ ما كنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دُونِه مِنَ الحجارةِ والأوثانِ، وأَمَرَنا بصِدْقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصِلَةِ الرَّحمِ، وحُسْنِ الجِوارِ، والكفِّ عنِ المَحارمِ والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفَواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليتيمِ، وقذْفِ المُحْصنةِ، وأَمَرَنا أنْ نَعبُدَ اللهَ وحْدَه لا نُشرِكُ به شيئًا، وأَمَرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ - قالتْ : فعَدَّدَ عليه أُمورَ الإسلامِ -، فصدَّقْناه وآمَنَّا به، واتَّبَعْناه على ما جاءَ به، فعَبَدْنا اللهَ وحْدَه فلمْ نُشرِكْ به شيئًا، وحرَّمْنا ما حَرَّم علينا، وأَحْلَلْنا ما أَحَلَّ لنا، فعَدَا علينا قومُنا فعَذَّبونا، وفَتَنونا عن دِينِنا؛ لِيَرُدُّونا إلى عبادةِ الأوثانِ مِن عبادةِ اللهِ، وأنْ نَستحِلَّ ما كنَّا نَستحِلُّ مِنَ الخبائثِ، فلمَّا قَهَرونا وظَلَمونا وشَقُّوا علينا وحالوا بيْننا وبيْن دِينِنا، خرَجْنا إلى بلدِكَ، واختَرْناكَ على مَن سِواكَ، ورَغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا أن لا نُظلَمَ عِندَكَ أيُّها الملِكُ. قالتْ : فقال له النَّجاشيُّ : هل معكَ ممَّا جاء به عنِ اللهِ مِن شيءٍ؟ قالتْ : فقال له جعفرٌ : نعَم. فقال له النجاشيُّ : فاقرَأْهُ عليَّ. فقَرَأَ عليه صَدرًا مِن {كهيعص}. قالتْ : فبَكى واللهِ النَّجاشيُّ حتَّى أَخضَلَ لحيتَه، وبَكَتْ أَساقِفَتُه حتَّى أَخْضَلوا مصاحفَهُم، حين سمِعوا ما تَلا عليهِم. ثمَّ قال النَّجاشيُّ : إنَّ هذا - واللهِ - والَّذي جاءَ به موسى لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحدةٍ. انطَلِقا، فواللهِ لا أُسْلِمُهُم إليكُم أبدًا، ولا أُكادُ. قالتْ أُمُّ سلَمةَ : فلمَّا خَرَجا مِن عِندِه قال عَمرُو بنُ العاصِ : واللهِ لأُنبِئَنَّه غدًا عَيْبَهُم عِندَه، ثمَّ أَستأصِلُ به خَضْراءَهُم. قالتْ : فقال له عبدُ اللهِ بنُ أبي ربيعةَ - وكان أَتقى الرَّجُلَينِ فينا - : لا تَفعَلْ؛ فإنَّ لهُم أرحامًا وإنْ كانوا قد خالَفونا. قال : واللهِ لأُخبِرَنَّه أنَّهُم يَزعُمون أنَّ عيسى ابنَ مريمَ عبْدٌ. قالتْ : ثمَّ غَدَا عليه الغَدَ، فقال له : أيُّها الملِكُ إنَّهُم يَقولون في عيسى ابنِ مريمَ قولًا عظيمًا، فأَرسِلْ إليهم فاسألْهُم عمَّا يَقولون فيه! قالتْ : فأَرسَلَ إليهِم يَسألُهُم عنه، قالتْ : ولمْ يَنزِلْ بنا مِثْلُها، فاجتَمَع القومُ، فقال بعضُهُم لبعضٍ : ماذا تَقولون في عيسى إذا سألَكُم عنه؟ قالوا : نَقولُ واللهِ فيه ما قال اللهُ، وما جاءَ به نبيُّنا، كائنًا في ذلكَ ما هو كائنٌ. فلمَّا دَخَلوا عليه، قال لهُم : ما تَقولون في عيسى ابنِ مريمَ؟ فقال له جعفرُ بنُ أبي طالبٍ : نَقولُ فيه الَّذي جاءَ به نبيُّنا، هو عبْدُ اللهِ ورسولُه، ورُوحُه، وكَلِمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العَذراءِ البَتولِ. قالتْ : فضَرَبَ النَّجاشيُّ يدَه إلى الأرضِ، فأَخَذ منها عُودًا، ثمَّ قال : ما عَدَا عيسى ابنُ مريمَ ما قُلْتَ هذا العُودَ. فتَناخَرَتْ بَطارِقَتُه حَوْلَه حين قال ما قال! فقال : وإنْ نَخَرْتُم واللهِ، اذهَبوا فأنتُم سُيُومٌ بأرْضي - والسُّيُومُ : الآمِنونَ -، مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، ثمَّ مَن سَبَّكُم غُرِّمَ، فما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْرًا ذهَبًا وأنِّي آذَيْتُ رَجُلًا منكُم - والدَّبْرُ بلسانِ الحبشةِ : الجَبَلُ -، رُدُّوا عليهِما هَداياهُما؛ فلا حاجةَ لنا بها، فواللهِ ما أَخَذ اللهُ منِّي الرِّشوةَ حين رَدَّ عليَّ مُلْكي فآخُذَ الرِّشوةَ فيه، وما أَطاعَ النَّاسَ فيَّ فأُطيعَهُم فيه. قالتْ : فخَرَجا منِ عِندِه مَقبوحَينِ مَرْدودًا عليهِما ما جاءَا به، وأَقَمْنا عِندَه بخيرِ دارٍ، مع خيرِ جارٍ. قالتْ : فواللهِ إنَّا على ذلكَ إذْ نَزَل به - يعني : مَن يُنازِعُه في مُلْكِه -. قالتْ : فواللهِ ما عَلِمْنا حُزْنًا قطُّ كان أشَدَّ مِن حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِندَ ذلكَ؛ تَخَوُّفًا أنْ يَظهَرَ ذلكَ على النَّجاشيِّ، فيَأتي رَجُلٌ لا يَعرِفُ مِن حقِّنا ما كان النَّجاشيُّ يَعرِفُ منه. قالت : وسارَ النَّجاشيُّ وبيْنهما عَرْضُ النِّيلِ. قالتْ : فقال أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : مَن رَجُلٌ يَخرُجُ حتَّى يَحضُرَ وقعةَ القومِ ثمَّ يَأْتينا بالخبرِ؟ قالتْ : فقال الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ : أنا. قالتْ : وكان مِن أحدثِ القومِ سِنًّا. قالتْ : فنَفَخوا له قِرْبةً، فجَعَلَها في صَدرِه، ثمَّ سَبَح عليها حتَّى خَرَج إلى ناحيةِ النِّيلِ الَّتي بها مُلتَقى القومِ، ثمَّ انطَلَق حتَّى حضَرَهُم. قالتْ : ودَعَوْنا اللهَ للنَّجاشيِّ بالظُّهورِ على عدوِّه، والتَّمكينِ له في بلادِه. واستَوْسَقَ عليه أمْرُ الحبشةِ، فكنَّا عِندَه في خيرِ منزلٍ حتَّى قَدِمْنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو بمكَّةَ.) ( [90]) .

 

 (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم ، وقالوا لهما  : ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم . قالت  : فخرج فقدم على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، ثم قالا لكل بطريق منهم  : إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليه فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم ، فقالوا لهما  : نعم ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ، ثم كلماه فقالا له  : أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت  : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقته حوله  : صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليه فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قال: فغضب النجاشي ثم قال  : لا ها الله ايم الله إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم . وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت  : ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول له والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كائن في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال  : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له  : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا ، و أمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قال  : فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله . وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت  : فقال له النجاشي  : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟ قالت  : فقال له جعفر  : نعم . فقال له النجاشي  : فاقرأ علي . فقرأ عليه صدرا من كهيعص . قالت  : فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم . ثم قال النجاشي  : إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد . قالت أم سلمة  : فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص والله لأنبئنهم غدا عيبهم عندهم ثم أستأصل به خضراءهم قالت فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا . قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد . قالت  : ثم غدا عليه الغد . فقال له  : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه . قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت  : ولم ينزل بنا مثله ، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض  : ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ قالوا  : نقول والله فيه ما قال الله ، وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم  : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر بن أبي طالب  : نقول فيه الذي جاء به نبينا . هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت : فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال  : ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود . فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال ، فقال  : وإن نخرتم والله ! اذهبوا فأنتم سيوم بأرض –والسيوم الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم . فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم – والدبر بلسان الحبشة الجعل – ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه . قالت  : فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار . قالت  : فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه . قالت  : فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت وسار النجاشي وبينهما عرض النيل . قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر . قالت فقال الزبير بن العوام أنا . قالت وكان من أحدث القوم سنا قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم . قالت ودعونا الله – للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده . واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو بمكة) ( [91]) .

 (أمرَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ أن ننطلقَ معَ جعفرَ بنَ أبي طالبٍ إلى أرضِ النَّجاشيِّ ، قالَ فبلغَ ذلِكَ قومَنا فبعثوا عَمرو بنَ العاصِ وعمارةَ بنَ الوليدِ وجمَعوا للنَّجاشيِّ هديةً ، فقَدِمنا وقَدِما علَى النَّجاشيِّ ، فأتَوهُ بِهَديَّتِهِ فقبِلَها وسجدوا ثمَّ قالَ لَهُ عَمرو بنُ العاصِ  : إنَّ قومًا منَّا رغِبوا عن دينِنا وَهُم في أرضِكَ . فقالَ لَهُمُ النَّجاشيُّ  : في أرضي ؟ قالوا  : نعم . فبعثَ إلينا فقالَ لَنا جعفرٌ  : لا يتَكَلَّمُ منكُم أحدٌ أَنا خطيبُكُمُ اليومَ . قال فانتَهَينا إلى النَّجاشيِّ وَهوَ جالسٌ في مَجلسِهِ وعَمرو بنُ العاصِ عن يمينِهِ وعمارةُ عن يسارِه ، والقسِّيسونَ والرُّهبانُ جلوسٌ سماطينِ ، وقد قال لهُ عمرو بنُ العاصِ وعمارةُ  : إنَّهم لا يسجدونَ لَكَ . قال فلمَّا انتَهَينا زَبَرَنا قالَ مَن عندَهُ منَ القسِّيسينَ والرُّهبانُ  : اسجدوا للملِكِ . فقالَ جعفرٌ  : لا نسجدُ إلَّا للَّهِ فلمَّا انتَهَينا إلى النَّجاشيِّ قالَ  : ما يمنعُكَ أن تسجُدَ ؟ قالَ  : لا نسجُدَ إلَّا للَّهِ قالَ لَهُ النَّجاشيُّ  : وما ذاكَ ؟ قالَ  : إنَّ اللَّهَ بعثَ فينا رسولَهُ ، وَهوَ الرسولُ الَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ برسولٍ يأتي من بعدي اسمُهُ أحمدُ فأمرَنا أن نعبدَ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شيئًا ، ونقيمَ الصَّلاةَ، ونُؤْتيَ الزَّكاةَ ، وأمرَنا بالمعروفِ ، ونَهانا عنِ المنكرِ. قالَ  : فأعجبَ النَّجاشيَّ قولُهُ ، فلمَّا رأى ذلِكَ عَمرو بنُ العاصِ قال  : أصلحَ اللَّهُ الملِكَ ، إنَّهم يخالفونَ في ابنِ مريمَ . فقالَ النَّجاشيُّ لجعفرٍ  : ما يقولُ صاحبُكَ في ابنِ مريمَ ؟ قالَ  : يقولُ فيهِ قَولَ اللَّهِ هوَ روحُ اللَّهِ وَكَلمتُهُ أخرجَهُ منَ البتولِ العذراءِ الَّتي لم يَقربَها بشرٌ قالَ  : فتَناولَ النَّجاشيُّ عودًا منَ الأرضِ، فقالَ  : يا معشرَ القسِّيسينَ والرُّهبانَ ، ما يزيدُ ما يقولُ هؤلاءُ علَى ما تقولونَ في ابنِ مريمَ ما يزنُ هذِهِ ، مرحبًا بِكُم وبمَن جئتُمْ من عندِهِ ، فأَنا أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللَّهِ والَّذي بشرَ بهِ عيسَى ابنُ مريمَ ، لَولا ما أَنا فيهِ منَ المُلكِ لأتَيتُهُ حتَّى أحملَ نعلَيهِ ، امكثوا في أرضي ما شئتُمْ وأمرَ لَنا بطعامٍ وَكِسوةٍ ، وقالَ  : ردُّوا علَى هذَينِ هديَّتَهما . قالَ  : وَكانَ عَمرو بنُ العاصِ ، رجلًا قصيرًا ، وَكانَ عمارةُ بنُ الوليدِ رجلًا جميلًا ، قالَ  : فأقبلا في البحرِ إلى النَّجاشيِّ ، قال فشرِبوا ، قال ومعَ عَمرو بنِ العاصِ امرأتُهُ ، فلمَّا شرِبوا الخمرَ ، قالَ عمارةُ لعمرٍو  : مُرْ امرأتَكَ فلتقَبِّلْني . فقال لهُ عَمرو ألا تستحي فأخذَهُ عمارةُ فرمَى بِهِ في البحرِ ، فجعلَ عَمرو يُناشدُهُ حتَّى أدخلَهُ السَّفينةَ، فحقدَ عليهِ عمرٌو ذلِكَ ، فقالَ عمرٌو للنَّجاشيِّ  : إنَّكَ إذا خرجتَ خَلَفَ عمارةُ في أَهْلِكَ . قالَ: فدعا النَّجاشيُّ بعمارةَ فنفخَ في إحليلِهِ فصارَ معَ الوحشِ) ( [92]) .

 (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا - بها خير جار النجاشي ، أمنا على ديننا ، وعبدنا الله لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه . فلما بلغ ذلك قريشا ، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين ، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة . وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم ، فجمعوا له أدما كثيرة ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي ، وأمروهما أمرهم وقالوا لهما  : ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم . ثم قدموا للنجاشي هداياه ، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم . قالت فخرجا فقدما على النجاشي فنحن عنده بخير دار ، وعند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، ثم قالا لكل بطريق منهم  : إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم . فإن قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما  : نعم . ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له  : أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم ، من آبائهم ، وأعمامهم ، وعشائرهم ، لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت  : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم . فقالت بطارقته حوله  : صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم ، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال  : فغضب النجاشي ثم قال  : لاها الله أيم الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهم ورددتهم إلى قومهم إن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فدعاهم جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض  : ما تقولون للرجل إذا جئتموه قال  : نقول والله ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كائن في ذلك ما هو كائن . فلما جاؤوه ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال  : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم . قالت  : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له  : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، يأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنة ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قال  : فعدد عليه أمور الإسلام ، فصدقناه وآمنا واتبعناه على ما جاء به . فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت  : فقال له النجاشي  : هل معك ما جاء به عن الله من شيء؟ قالت  : فقال له جعفر  : نعم فقال له النجاشي  : فاقرأه علي ، فقرأ عليه صدرا من ( كهيعص ) قالت  : فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي  : إن هذا والله ، والذي جاء به عيسى ، ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد . قالت أم سلمة  : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص  : والله لأنبئنهم غدا عيبهم عندهم ، ثم أستاصل به خضراءهم. قالت  : فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ، وكان أتقى الرجلين فينا ، لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال  : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد قالت  : ثم غدا عليه الغد فقال له  : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه ؟ قالت  : فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت  : ولم ينزل بنا مثله ، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ قالوا  : نقول والله فيه ما قال الله ، وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم  : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال له جعفر بن أبي طالب  : نقول فيه الذي جاء به نبينا ، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قالت  : فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال  : ما عدا عيسى بن مريم ، ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال  : وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم : الآمنون - من سبكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، فما أحب أن لي دبرا ذهبا وإني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردوا عليهم هداياهما ، فلا حاجة لنا بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ، فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه . قالت: فخرجا من عنده مقبوحين ، مردودا عليهما ما جاءا به . وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار قالت  : فوالله إنا على ذلك إذ نزل به ، يعني من ينازعه في ملكه ، قالت  : فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزنا عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي ، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه قالت  : وسار النجاشي ، وبينهما عرض النيل قالت  : فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ، ثم يأتينا بالخبر ؟ قالت  : قال الزبير بن العوام  : أنا قالت  : وكان من أحدث القوم سنا ، قالت  : فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ، ثم انطلق حتى حضرهم قالت  : ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه ، والتمكين له في بلاده ، واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل ، حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم –وهو بمكة .) ( [93]) .

 (أمرَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن ننطلِقَ إلى أرضِ النَّجاشِيِّ فبلغَ ذلكَ قريشًا فبعَثوا إلى عَمرِو بن العاصِ وعُمارةَ بنِ الوليدِ وجَمعوا للنجاشِيِّ هدايا فقَدِمنا وقدِموا على النَّجاشي فأتَوهُ بِهديَّة فقَبِلها وسجَدوا له ثم قال عَمرو بن العاصِ : إنَّ قومًا منَّا رغِبوا منَّا عَن دينِنا وهُم في أرضِكَ فقالَ لهم النَّجاشي : في أرضي ؟ قال : نعَم قالَ : فبعَث فقال لنا جَعفر : لا يتكلَّمْ منكُم أحَدٌ أنا خَطيبُكُم اليومَ فانتهَينا إلى النَّجاشيِّ وهو جالِسٌ في مَجلسِهِ وعَمرو بنُ العاصِ عَن يمينه وعُمارَةُ عَن يَسارِهِ والقِسِّيسونَ منَ الرُّهبانِ جلوسٌ سِماطَينِ فقالَ له عَمرٌو وعُمارةُ : إنهم لا يسجُدونَ لكَ فلمَّا انتهَينا إليه زبَرنَا مَن عندَه مِن القسِّيسينَ والرُّهبانِ اسجُدوا للمَلِكِ فقالَ جعفَرُ : لا نسجُدُ إلا للَّهِ فقال له النَّجاشِيُّ : وما ذاكَ ؟ قال : إن الله بعَث فينا رسولَهُ وهوَ الرَّسولُ الذي بشَّر به عيسَى برسولٍ يأتي من بعدِهِ اسمُهُ أحمَدُ فأمَرنَا أن نعبُدَ اللهَ ولا نُشركَ بهِ شيئًا ونقيمَ الصَّلاةَ ونؤتي الزَّكاةَ وأمرَنا بالمعروفِ ونَهانا عَن المنكَرِ قال : فأعجَبَ النَّاسَ قولُهُ فلما رأى ذلك عمرٌو قال له : أصلَحَ اللهُ الملِكَ إنَّهم يخالِفونَكَ في عيسَى ابنِ مريَم فقال النَّجاشِيُّ لجعفَرٍ : ما يقولُ صاحبُكَ في ابنِ مريَمَ ؟ قال يقولُ فيه الله هو روحُ اللهِ وكلمتُهُ أخرجَهُ من البَتولِ العَذراءِ لم يقرَبْها بشر قال : فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال: يا مَعشَرَ القِسِّيسينَ والرُّهبانِ ما يَزيدُ هَؤلاءِ على ما تَقولونَ في ابنِ مريَم ما يزنُ هذِه مرحبًا بكُم وبِمن جئتُم مِن عندِهِ فأنا أشهَدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ وأنه الذي بشَّر به عيسَى ابنُ مريم ولَولا ما أنا فيه من المُلكِ لأتيتُهُ حتَّى أحمِلَ نعليهِ امكُثوا في أَرضي ما شئتُم وأمر لَهم بطَعامٍ وكِسوَةٍ وقال : رُدُّوا علَى هذَين هدِيَّتهُم) ( [94]) .

(أمرنا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، قال  : فقدمنا فبعث إلينا قال لنا جعفر  : لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم قال  : فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه فزبرنا من عنده من القسيسين والرهبًان اسجدوا للملك فقال جعفر  : لا نسجد إلا لله ، قال له النجاشي  : وما منعك أن تسجد ؟ قال  : لا نسجد إلا لله ، قال  : وما ذاك ؟ قال: إن الله عز وجل بعث إلينا رسوله ، وهو الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم يأتي من بعدي اسمه أحمد ، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمر بًالمعروف ونهى عن المنكر . فأعجب النجاشي قوله ، قال  : فما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال  : يقول فيه  : هو روح الله وكلمته أخرجه من العذاراء البتول التي لم يقربها بشر ، فتناول النجاشي عودا من الأرض ، فقال  : يا معشر القسيسين والرهبًان  : ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه . مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده فأنا أشهد أنه رسول اللهِ وإنه بشر به عيسى ابن مريم ، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة) ( [95]) .

(أن جعفرا – وهو ابن أبي طالب - ، قال : يا نبي الله ائذن لي أن آتي أرضا أعبد الله فيها لا أخاف أحدا ، قال : فأذن له فأتى أرض الحبشة . قال : فحدثنا عمرو بن العاص ، أو قال : قال عمرو بن العاص : لما رأيت جعفر وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته ، قال : قلت لأستقبلن هذا وأصحابه ، قال : فأتيت النجاشي فقلت : إن بأرضك رجلا ابن عمه بأرضنا يزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد ، وإنك والله إن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه القطيعة أبدا أنا ولا أحد أصحابي . قال : اذهب إليه فادعه ، قال : قلت إنه لا يجيء معي فأرسل معي رسولا ، فأتيته وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم ، قال : فقال له أجب ، قال : فجئنا إلى الباب فناديت ائذن لعمرو بن العاص ، فرفع صوته : ائذن لحزب الله ، قال : فسمع صوته ، فأذن له قبلي ، قال : فوصف لي عمرو السرير ، قال وقعد جعفر بين يدي السرير وأصحابه حول الوسائد ، قال: قال عمرو : فجئت فلما رأيت مجلسه قعدت بينه وبين السرير فجعلته خلف ظهري ، قال : وأقعدت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي . قال : قال النجاشي : نخر يا عمرو بن العاص ، أي : تكلم ، قال : فقلت ابن عم هذا بأرضنا ، يزعم أن ليس للناس إله إلا إله واحد ، وإنك والله لئن لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه القطيعة أبدا ، أنا ولا أحد من أصحابي . قال : نخر يا حزب الله ، نخر ، قال : فحمد الله وأثنى عليه ، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وقال : صدق ، هو ابن عمي ، وأنا على دينه ، قال عمرو : فوالله إني أول ما سمعت التشهد قط إلا يومئذ ، قال بيده هكذا ، ووضع ابن عدي يده على جبينه، وقال أوه أوه حتى قلت في نفسي العن العبد الحبشي ألا يتكلم ، قال : ثم رفع يده ، فقال : يا جعفر ما يقول في عيسى ؟ قال : يقول هو روح الله وكلمته ، قال : فأخذ شيئا تافها من الأرض ، قال : ما أخطأ منه مثل هذه ، قم يا حزب الله ، فأنت آمن بأرضي ، من قاتلك قتلته ، ومن سبك غرمته . قال : وقال : لولا ملكي وقومي لاتبعتك فقم . وقال لآذنه : انظر هذا ، فلا تحجبه عني إلا أن أكون مع أهلي ، فإن أبى إلا أن يدخل فأذن له . وقم أنت يا عمرو بن العاص ، فوالله ما أبالي ألا تقطع إلي هذه القطعة أبدا ، أنت ولا أحد من أصحابك ، قال : فلم نعد أن خرجنا من عنده فلم يكن أحد ألقاه خاليا أحب إلي من جعفر ، قال : فلقيته ذات يوم في سكة ، فنظرت فلم أر خلفه فيها أحدا ، ولم أر خلفي أحدا ، قال : فأخذت بيده ، وقال : قلت : تعلم أني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، قال : غمز يدي ، وقال : هداك الله فاثبت ، قال : فأتيت أصحابي فوالله لكأنما شهدوني وإياه ، قال : فأخذوني فألقوا على وجهي قطيفة ، فجعلوا يغموني بها وجلعت أمارسهم ، قال : فأفلت عريانا ما علي قشرة ، قال : فأتيت على حبشية فأخذت قناعها من رأسها ، قال : وقالت لي بالحبشية : كذا وكذا ، فقلت لها ، لذا ولدى ، قال : فأتيت جعفرا وهو بين ظهري أصحابه يحدثهم قال : قلت ما هو إلا أن فارقتك ، فعلوا بي وفعلوا وذهبوا بكل شيء من الدنيا هولي ، وما هذا الذي ترى علي إلا من متاع حبشية . قال : فقال : انطلق ، قال : فأتى الباب فنادى: ائذن لحزب الله ، قال : فخرج الآذن ، فقال : إنه مع أهله ، قال : استأذن لي ، فأذن له فدخل . قال: إن عمرو بن العاص قد ترك دينه واتبع ديني ، قال : قال : كلا ، قال : قلت بلى ، قال : قال : كلا، قلت بلى ، قال : كلا ، قلت بلى ، قال: فقال لآذنه : اذهب فإن كان كما يقول : فلا يكتبن لك شيئا إلا أخذه ، قال : فكتبت كل شيء حتى كتبت المنديل وحتى كتبت القدح ، قال : فلو أشاء أن آخذ من أموالهم إلى ما لي فعلت ، قال : ثم كتب في الذين جاءوا في سفر المسلمين) ( [96]) .

(استأذنَ جعفرٌ بنُ أَبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال : ائْذَنْ لي أن آتيَ أَرْضًا أَعْبُدُ اللهَ تعالى فيها لا أَخافُ أَحدًا ، فَأَذِنَ لهُ ، فَأَتَى النَّجَاشِيَّ ، قال : فَحدَّثَنِي عَمرو بنُ العاصِ قال : فَلمَّا رَأيتُ مَكانَه حَسدتُه ، قُلتُ : واللهِ لأَستَقبِلَنَّ لهذا وأَصحَابِه ، فَأتيتُ النَّجَاشِيَّ فَدَخلتُ معهُ عليهِ فقلتُ : إنَّ بِأَرضِكَ رَجلًا ابنُ عَمِّه بِأَرْضِنَا ، وإنَّه يَزْعُمُ أنَّه لَيسَ لِلنَّاسِ إلَّا إلهٌ واحِدٌ، وإنَّكَ واللهِ إن لَم تَقتُلْهُ وأَصحَابَه لا أقطَعُ إليكَ هذِه النُّطفَةَ أبدًا ، لا أَنا ولا أَحَدٌ مِن أَصحابي ، قال : ادْعُهُ ، قال : إنَّه لا يَجيءُ مَعي ، فَأرْسِلْ معي رَسولًا ، فجاءَ فَلمَّا انتَهَى إلى البابِ نادَيتُ ، ائذنْ لعمرِو بنِ العاصِ ، فَنادَى هوَ من خَلْفي : ائذن لعبدِ اللهِ ، قال : فَسمِعَ صَوتَه فَأَذِنَ لهُ قَبلِي ، قال : فَدخلَ هوَ وأَصحابُه ، قال : وأَذِنَ لي فَدخلتُ فإذا هوَ جَالسٌ ، فَذكرَ أينَ كانَ مَقعَدُه من السَّريرِ، فَلمَّا رَأَيتُه جِئْتُ حتَّى قَعدتُّ بينَ يَديهِ وجَعلْتُه خَلفَ ظَهري ، وأَقعَدتُّ بينَ كُلِّ رَجُلَينِ رَجُلًا من أصحابي، قال : فقال النَّجاشِيُّ : نَحَروا نَحَروا أيْ تَكلَّمُوا فقال عَمرو : إنَّ ابنَ عَمِّ هذا بِأَرْضِنا ، وإنَّه يَزْعُمُ أنَّه ليسَ للنَّاسِ إلَّا إلهٌ واحدٌ ، وإنَّكَ واللهِ إن لَم تَقتُلْهُ وأَصحابَه لا أَقطَعُ هذِه النُّطفَةَ إليكَ أبدًا ، لا أنا ولا أحدٌ من أصحابي ، قال : فَتَشهَّدَ ، فأَنا أَوَّلُ مَن سَمِعتُ التَّشَهُّدَ يَومَئِذٍ ، فقال : صَدَقَ ابنُ عَمِّي: وأَنا علَى دِينِه ، قال : فَصاحَ وقال : أَوَّهْ ، حتَّى قلتُ : إنَّ الحَبشَةَ لا تَكَلَّمُ ، قال : أَنامُوسٌ مِثلُ ناموسِ مُوسَى ، ما يقولُ في عيسَى ؟ قال : يَقولُ : هُو رُوحُ اللهِ وكَلِمتُهُ ، قال : فَتناوَلَ شَيئًا من الأرضِ فقال : ما أَخطأَ شَيئًا مِمَّا قال ولا هذِه ، ولولا مُلْكِي لَتَبِعْتُكُمْ ، وقال لي : ما كُنتُ لِأُبالِي أَلَّا تَأتِيَني أَنتَ ولا أَحدٌ من أَصحابِكَ أَبدًا ، وقال لِجَعفَرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ : اذهَبْ فَأنتَ آمِنٌ بِأَرْضِي ، فَمنْ ضَربَكَ قَتلتُهُ ، ومَن سَبَّكَ غَرَّمْتُهُ ، وقال لِآذِنِه : مَتى أَتاكَ هذا يَستأذِنُ عَليَّ فَأْذَنْ لهُ ، إلَّا أن أَكونَ عِندَ أَهلِي ، فإن كُنتُ عِندَ أَهْلِى فَأخْبِرْهُ ، فِإن أَبى فَأْذَنْ لهُ ، قال : وتَفَرَّقْنَا فلَم يكُن أَحدٌ أحَبَّ إليَّ من أن أَكونَ لِقيتُه خَالِيًا من جَعفَرٍ ، فَاستقبَلَنِي في طَريقٍ مَرَّةً ، فلم أَرَ أَحدًا ، ونَظَرتُ خَلفِي فَلم أَرَ أَحدًا ، قال : فَدنوتُ فَأَخَذتُ بِيَدِه فقلتُ : تَعلمُ أَنِّي أَشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ ، وأنَّ محمَّدًا عَبدُه ورَسولُهُ ، قال : فقد هَدَاكَ اللهُ تعالى فاثْبُتْ ، قال : وتَركَنِي وذَهبَ ، قال : فَأتيتُ أَصحابي فَكأنَّما شَهِدوا معي ، فأخذوني فَألْقَوا عَليَّ قَطيفَةً أو ثوبًا ، فَجعلوا يَغَمُّونَنِي ، فَجَعلتُ أُخرِجُ رَأْسِي من هذِه النَّاحِيَةِ مَرَّةً ، ومِن هذِه النَّاحِيَةِ مَرَّةً حتَّى أَفْلَتُّ وما عَليَّ قِشْرَةٌ ، قال : فَلقِيتُ حَبشيَّةً فَأخذتُ قِناعَها فَجعلْتُه علَى عَورَتِي ، فقالَتْ : كَذا وكَذا ، فقُلتُ : كَذا وكَذا ، فَأتيتُ جَعفَرًا رَضِيَ اللهُ عنهُ فقال : ما لكَ ؟ فقلتُ : ذهبَ كُلُّ شيءٍ لي حتَّى ما تَركَ عَليَّ قِشرَةً ، وما الَّذي تَرى عَليَّ إلَّا قِناعُ حَبَشيَّةٍ، قال: فانطلقَ وانطلقتُ معهُ حتَّى أَتيتُ إلى بابِ الملِكِ ، فقال : ائذَنْ لِحزْبِ اللهِ ، قال آذِنْهُ : إنَّه معَ أهلِه ، قال: استأذِنْ ، فاستأذَنَ فَأذِنَ لهُ ، فقال : إنَّ عَمْرًا قد تابَعَنِي علَى دِيني ، قال : كَلَّا ، قال : بَلى ، قال: كَلَّا ، قال: بَلى ، فقال لإنسانٍ : اذهبْ مَعَه ، فإن كان فَعَلَ فلا يَقولُ شَيئًا إلَّا كَتبْتَه ، قال : نعَم ، فجعلَ يَكتُبُ ما أَقولُ ، حتَّى ما تَركتُ شَيئًا حتَّى القَدَحَ ، ولَو أَشاءُ أَن آخُذَ مِن أَموالِهمْ إلى مالي لَفعلتُ) ( [97]) .

(عن ابنِ مسعودٍ قال بعَثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى النَّجاشيِّ ونحن نحوٌ من ثمانين رجلًا فيهم عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ وجعفرُ وعبدُ اللهِ بنُ عَرفَطَة وعثمانث بنُ مظعونٍ وأبو موسى فأتوا النجاشيَّ وبعَثَتْ قريشٌ عَمرو بنَ العاصِ وعمارةُ بنُ الوليدِ بهديةٍ فلما دخلا على النجاشيِّ سجدا له ثم ابتدَراه عن يمينِه وعن شمالِه ثم قالا له إنَّ نفرًا من بني عمِّنا نزلوا أرضَك ورغبوا عنا وعن مِلَّتِنا قال فأين هم قالا في أرضِك فابعَثْ إليهم فبعث إليهم فقال جعفرُ أنا خطيبُكم اليومَ فاتَّبعوه فسلَّم ولم يسجُدْ فقالوا له مالَكَ لا تسجدُ للملَكِ قال إنا لا نسجدُ إلا للهِ عزَّ وجلَّ قال وما ذاك قال إنَّ اللهَ بعث إلينا رسولًا ثم أمرنا أن لا نسجدَ لأحدٍ إلا للهِ عزَّ وجلَّ وأمرنا بالصلاةِ والزكاةِ قال عَمرو فإنهم يخالفونك في عيسى بنِ مريمَ قال فما تقولون في عيسى ابنِ مريمَ وأمِّه قال نقول كما قال اللهُ هو كلمتُه ورُوحُه ألقاها إلى العذراءِ البَتولِ التي لم يمَسَّها بشرٌ ولم يَفرِضْها ولدٌ قال فرفع عودًا من الأرضِ ثم قال يا معشرَ الحبشةِ والقِسِّيسينَ والرهبانِ واللهِ ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا مرحبًا بكم وبمن جئتُم من عنده أشهدُ أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنه الذي نجدُ في الإنجيلِ وأنه الرسولُ الذي بشَّر به عيسى بنُ مريمَ انزلوا حيث شئتُم واللهِ لولا ما أنا فيه من المُلكِ لأتيتُه حتى أكون أنا الذي أحملُ نعلَيه وأمَر بهديةِ الآخرين فرُدَّتْ إليهما ثم تعجَّل عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ حتى أدرك بدرًا وزعم أنَّ النبيَّ استغفر له حين بلغه موتُه) ( [98]) .

(أمرنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن ننطلقَ مع جعفرِ بنِ أبي طالبٍ إلى النجاشيِّ فبلغ ذلك قريشًا فبعثوا عمرو بنَ العاصِ وعمارةَ بنَ الوليدِ وجمعًا للنجاشيِّ هديةً وقدما على النجاشيِّ فأتياهُ بالهديةِ فقبَّلَها وسجدا له ثم قال عمرو بنُ العاصِ إنَّ ناسًا من أرضنا رغبوا عن دِينِنا وهم في أرضِك فقال لهم النجاشيُّ في أرضي قالوا نعم فبعث إلينا فقال لنا جعفرٌ لا يتكلم منكم أحدٌ أنا خطيبُكم اليومَ فانتهينا إلى النجاشيِّ وهو جالسٌ في مجلسٍ وعمرو بنُ العاصِ عن يمينِه وعمارةُ عن يسارِه والقِسِّيسُونَ والرهبانُ جلوسٌ سماطيْنِ وقد قال له عمرو وعمارةُ إنهم لا يسجدون لك فلما انتهينا بدَرَنا من عندِه من القسيسين والرهبانَ اسجدوا للملكِ فقال جعفرٌ إنَّا لا نسجدُ إلا للهِ قال له النجاشيُّ وما ذاك قال إنَّ اللهَ بعث إلينا رسولًا وهو الرسولُ الذي بشَّرنا به عيسى عليه السلامُ من بعدي اسمُه أحمدُ فأمرنا أن نعبدَ اللهَ ولا نُشركَ به شيئًا وأمرنا أن نُقيمَ الصلاةَ وأن نُؤتيَ الزكاةَ وأمرنا بالمعروفِ ونهانا عن المنكرِ فأعجب النجاشيَّ قولُه فلما رأى ذلك عمرو قال أصلح اللهُ الملكَ إنهم يُخالفونَك في ابنِ مريمَ فقال النجاشيُّ ما يقول صاحبُكم في ابنِ مريمَ قال يقول فيه قولُ اللهِ هو روحُ اللهِ وكلمتُه أخرجَه من العذراءِ البتولِ التي لم يقرَّ بها بشرٌ ولم يفترضها ولدٌ فتناول النجاشيُّ عودًا من الأرضِ فرفعَه فقال يا معشرَ القسيسين والرهبانَ ما يزيدُ هؤلاءِ على ما تقولون في ابنِ مريمَ ما يزنُ هذه مرحبًا بكم وبمن جئتُم من عندِه أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ وأنَّهُ الذي بشَّرَ به عيسى ولولا ما أنا فيه من المُلْكِ لأتيتُه حتى أُقبِّلَ نعليْهِ امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعامٍ وكسوةٍ وقال ردُّوا على هذين هديَّتَهما وكان عمرو بنُ العاصِ رجلًا قصيرًا وكان عمارةُ رجلًا جميلًا وكانا أقبلا إلى النجاشيِّ فشربوا يعني خمرًا ومع عمرو بنِ العاصِ امرأتُه فلما شربوا من الخمرِ قال عمارةُ لعمرو مُرِ امرأتَك فلتُقبِّلَنِي فقال له عمرو ألا تستحِي فأخذ عمارةُ عمرًا فرمى به في البحرِ فجعل عمرو يُناشدُ عمارةَ حتى أدخلَه السفينةَ فحقد عمرو على ذلك فقال عمرو للنجاشيِّ إنك إذا خرجتَ خلَّفتَ عمارةَ في أهلِك فدعا النجاشيُّ عمارةَ فنفخ في إحليلِه فطار مع الوحشِ) ( [99]) .

(أمرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم أنْ ننطلقَ مع جعفرِ بنِ أبي طالبٍ إلى أرضِ النجاشيِّ فذكر الحديثَ . وفيه قال النجاشيُّ لجعفرٍ  : ما يقولُ صاحبُك في ابنِ مريمَ ؟ قال يقولُ فيه قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ هو روحُ اللهِ وكلمتُه أخرجَه من العَذْراءِ البَتولِ التي لم يقرَبْها بشرٌ قال فتناولَ النجاشيُّ عودًا من الأرضِ وقال يا معشرَ القسِّيسينَ والرهبانَ ما يزيدُ هؤلاءِ على ما تقولونَ في ابنِ مريمَ مرحبًا بكم وبمن جئتُمْ من عندِه فأنا أشهدُ أنه رسولُ اللهِ وأنه الذي بشَّر به عيسَى ابنُ مريمَ ولولا ما أنا فيه من المُلكِ لأتيتُه حتَّى أحملَ نَعليهِ امكثوا في أرضي ما شئتُم) ( [100]) .

 (بعثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى النجاشيِّ ونحنُ نحوًا من ثمانينَ رجلًا فيهم عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ وجعفرُ وعبدُ اللهِ بنُ عرفطةَ وعثمانُ بنُ مظعونٍ وأبو موسى فأَتَوْا النجاشيَّ وبعثت قريشٌ عمرو بنَ العاصِ وعمارةُ بنَ الوليدِ بهديةٍ فلمَّا دخلا على النجاشيِّ سجدا لهُ ثم ابتدراهُ عن يمينِهِ وعن شمالِهِ ثم قالا لهُ  : إنَّ نفرًا من بني عمِّنا نزلوا أرضكَ ورغبوا عنَّا وعن مِلَّتِنَا قال  : فأين هم؟ قال  : هم في أرضكَ فابعث إليهم فبعث إليهم فقال جعفرُ  : أنا خطيبكم اليومَ فاتَّبعوهُ فسلَّمَ ولم يسجد فقالوا لهُ  : ما لك لا تسجدُ للملكِ قال  : إنَّا لا نسجدُ إلا للهِ عزَّ وجلَّ قال  : وما ذاك ؟ قال  : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بعث إلينا رسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأمرنا أن لا نسجدَ لأحدٍ إلا للهِ عزَّ وجلَّ وأمرنا بالصلاةِ والزكاةِ قال عمرو بنُ العاصِ  : فإنَّهم يُخالفونك في عيسى بنِ مريمَ قال  : ما تقولون في عيسى بنِ مريمَ وأُمَّهُ قالوا  : نقولُ كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ  : هو كلمةُ اللهِ وروحُهُ ألقاها إلى العذراءِ البتولِ التي لم يمَسَّها بشرٌ ولم يفرضها ولدٌ قال  : فرفع عودًا من الأرضِ ثم قال  : يا معشرَ الحبشةِ والقسيسينَ والرهبانِ واللهِ ما يزيدونَ على الذي نقولُ فيهِ ما يَسْوَى هذا مرحبًا بكم وبمن جئتم من عندِهِ أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ فإنَّهُ الذي نجدُ في الإنجيلِ وإنَّهُ الرسولُ الذي بَشَّرَ بهِ عيسى بنُ مريمَ انزلوا حيثُ شئتم واللهِ لولا ما أنا فيهِ من المُلْكِ لأتيتُهُ حتى أكونَ أنا أحملُ نعليْهِ وأُوَضِّئَهُ وأمرَ بهديةِ الآخرينَ فرُدَّتْ إليهما ثم تعجَّلَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ حتى أدركَ بدرًا وزعم أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استغفرَ لهُ حين بلغَهُ موتُهُ) ( [101]) .

 (فقال لهمُ النَّجاشي  : ما هذا الدِّينُ الَّذي فارقتُمْ فيهِ قومَكُم، ولم تدخُلوا في ديني ولا في دينِ أحدٍ من النَّاسِ ؟ فقال جعفرُ  : أيُّها الملِكُ، كنَّا أَهْلَ جاهليَّةٍ نعبدُ الأصنامَ ، وَنَأْكلُ الميتةَ وَنَأْتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجوارَ ويأكلُ القويُّ منَّا الضَّعيفَ ، حتَّى بعثَ اللَّهُ إلينا رسولًا منَّا نعرفُ نسبَهُ، وصدقَهُ ، وأمانتَهُ، وعفافَهُ ، فدعانا لتوحيدِ اللَّهِ وأن لا نُشرِكَ بهِ شيئًا،ونخلَعَ ما كنَّا نعبدُ من الأصنامِ، وأمرَنا بصدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرَّحمِ، وحُسنِ الجوارِ، والكفِّ عنِ المحارمِ، والدِّماءِ، ونَهانا عنِ الفواحشِ، وقولِ الزُّورِ، وأَكْلِ مالَ اليتيمِ، وأمرَنا بالصَّلاةِ، والصِّيام، وعدَّدَ علَيهِ أمورَ الإسلامِ، وقال جعفرٌ فآمنَّا بهِ وصدقناه، وحرَّمنا ما حرَّمَ علينا، وحلَّلنا ما أحلَّ لَنا، فتعدَّى علينا قومُنا، فعذَّبونا وفتَنونا عن دينِنا ليردُّونا إلى عبادةِ الأوثانِ، فلمَّا قَهَرونا وظلَمونا، وحالوا بينَنا وبينَ دينِنا، خرجنا إلى بلادِكَ، واخترناكَ علَى مَن سواكَ، ورجَونا أن لا نُظلَمَ عندَكَ فقالَ النَّجاشيُّ : هل معَكَ مِمَّا جاءَ بهِ عنِ اللَّهِ شيءٌ ؟ قالَ : نعَم، قرأَ علَيهِ صدرًا من سورةِ مريَمَ فبَكَى النَّجاشيُّ وأساقفتُهُ وقال النَّجاشيُّ: إنَّ هذا والَّذي جاءَ بهِ عيسَى يخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ، انطلقا واللَّهِ لا أسلمُهُمِ إليكُما أبدًا، يخاطِبُ عمرَو بنَ العاصِ وصاحبَهُ فخَرجا وقال عمرٌو لعبدِ اللَّهِ بنُ أبي ربيعةَ واللَّهِ لآتيَنَّهُ غدًا بما يُبيدُ خَضراءَهم فلمَّا كان الغدُ، قالَ للنَّجاشيِّ : إن هؤلاء يقولونَ في عيسَى بن مريمَ قولًا عظيمًا ، فأرسلِ النجاشي يسألُهُم عن قولِهم : في المسيحِ ؟ فقالَ جعفرُ : نقولُ فيهِ الَّذي جاءَنا بهِ نبيُّنا : هوَ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، وروحُهُ وَكَلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البتولِ، فأخذ النَّجاشيُّ عودًا من الأرضِ، وقالَ : ماعَدا [ماعدا الصواب ما عدا] عيسَى ما قلتَ قدرَ هذا العودِ، فنخرَت بطارقتُهُ فقالَ : وإن نَخرتُمْ وقال للمسلِمين اذهَبوا، فأنتُمْ آمِنونَ ما أحبُّ أنَّ لي جبلًا من ذهبٍ وأنني آذيتُ رجلًا منكُم وردَّ هديَّةَ قُريشٍ وقال : ما أخذَ اللَّهُ الرِّشوةَ منِّي حتَّى آخُذَها منكُم ولا أطاعَ النَّاسَ فيَّ، حتى أطيعَهُم فيهِ.) ( [102]) .

(بعثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إلى النَّجاشيِّ ثمانينَ رجُلًا منهُم عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وجعفَرُ وأبو موسَى الأشعريُّ وعبدُ اللهِ بنُ عُرفُطَةَ وعُثمانُ بنُ مَظعونٍ فبَعثَت قُريشٌ عَمرَو بنَ العاصِ وعُمارةَ بنَ الوليدِ بهديَّةٍ فقدِما على النَّجاشِيِّ فلما أن دخَلا عليه سجَدا له وابتدَراه فقعَد واحد عن يَمينِهِ والآخَرُ عن شِمالِهِ فقالا إنَّ نفَرًا مِن بني عمِّنا نَزلوا أرضَكَ فرغِبوا عنَّا وعَن مِلِّتِنا قالَ وأينَ هُم قالوا بأرضِكَ فأرسَلَ في طلبِهِم قال جعفَرٌ أنا خطيبكُم اليومَ فاتَّبعوه فدخلَ فسلَّم فقالوا ما لكَ لا تَسجُدُ للملِكِ قال إنَّا لا نسجُد إلا للَّهِ قالوا ولم ذاكَ قال إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أرسلَ فينا رسولًا وأمرَنا ألا نَسجُدَ إلا للهِ وأمرَنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ قال عمرُو بنُ العاصِ فإنَّهم يخالِفونَكَ في ابنِ مريَمَ وأمَّهُ قال ما تَقولونَ في ابنِ مريمَ وأمِّهِ قال نقولُ كَما قال اللهُ روحُ اللهِ وكلِمَتُهُ ألقاها إلى العَذراءِ البَتولِ الَّتي لم يَمسَّها بشَرٌ ولم يفرِضها ولَدٌ قال فرفعَ النَّجاشيُّ عودًا من الأرضِ فقالَ يا معشرَ الحبشَةِ والقسِّيسينَ والرُّهبانِ ما تَزيدونَ ما يَسوى هذا أشهَدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ وأنَّهُ الَّذي بشَّرَ به عيسَى في الإنجيلِ واللهِ لولا ما أنا فيهِ منَ الملكِ لأتَيتُهُ فأكونُ أنا الَّذي أحمِلُ نَعليهِ وأوَضِّئُهُ وقالَ انزِلوا حيثُ شئتُمْ وأمرَ بهديَّةِ الآخَرينَ فرُدَّتْ عليهِما قال وتعجَّلَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وشهِدَ بدرًا وقالَ إنَّهُ لما انتَهى إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ موتُهُ استغفرَ لهُ) ( [103]).

(أمرَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ ننطلِقَ إلى أرضِ النجاشِيِّ – فذكَرَ القِصَّةَ وفيها – وقال النجاشيُّ  : أشهدُ أنَّهُ رسولُ اللهِ ، وأنَّهُ الذي بشرَ بِهِ عيسى ابنُ مرْيَمَ ، ولَوْلَا مَا أنا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لأتَيْتُهُ حتى أحمِلَ نعْلَيْهِ .) ( [104]) .


وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) (البقرة 87)

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) (البقرة 253)

(وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) (المائدة 46)

(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (الحديد 27)

دعا زكريَّا ربَّهُ (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) وقالَت الملائكَةُ: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يُصدِّقُ عيسَى وحَصُورًا:

(عن ابنِ عبَّاسٍ وعبدِ اللهِ [بنِ مسعودٍ] قال: دعا زكريَّا ربَّهُ سرًّا فقالَ: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وهم العَصبَةُ كَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يرثُ نبوَّتي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يرثُ نبوَّةَ آلِ يعقوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا وقوله: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً يقول منازله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ وقال: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وهو جبريل وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا لم يُسمَّ قبلَهُ أحدٌ يَحيى وقالَت الملائكَةُ: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يُصدِّقُ عيسَى وحَصُورًا والحَصورُ الذي لا يُريدُ النِّساءَ فلما سمِعَ النِّداءَ جاءهُ الشِّيطانُ فقالَ لهُ: يا زكريَّا إنَّ الصَّوتَ الذي سمِعتَ ليسَ من اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشِّيطانِ سخِرَ بكَ ولو كانَ من الله أوحاهُ إليكَ كما يوحَى إليكَ وغيرُهُ من الأمرِ فشكَّ مكانَهُ وقالَ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟ يقولُ: مِن أين يكونُ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) ( [105]) .


بعثَ اللَّهُ تعالى عيسى عليهِ السَّلامُ رسولًا وسخَّرَ لَهُ ما كانَ يفعلُ من إحياءِ المَوتى ، وخَلقِ الطَّيرِ، وإبراءِ الأَكْمَهِ ، والأبرصِ ، والأعمَى ، فَكَفرَ بِهِ قومٌ وتبعَهُ قومٌ، وإنَّما كانَ عبدَ اللَّهِ ورسولَهُ ابتَلى بِهِ خلقَهُ

يقول تعالى:

 (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) (آل عمران 45)

" إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ " أَيْ بِوَلَدٍ يَكُون وُجُوده بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّه أَيْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون. .. وكَانَ الْمَسِيحُ إِذَا مَسَحَ أَحَدًا مِنْ ذَوِي الْعَاهَات بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى.  " عِيسَى اِبْن مَرْيَم " نِسْبَة إِلَى أُمّه حَيْثُ لَا أَب لَهُ " وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ " أَيْ لَهُ وَجَاهَة وَمَكَانَة عِنْد اللَّه فِي الدُّنْيَا بِمَا يُوحِيه اللَّه إِلَيْهِ مِنْ الشَّرِيعَة وَيُنْزِلهُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا مَنَحَهُ اللَّه بِهِ وَفِي الدَّار الْآخِرَة يَشْفَع عِنْد اللَّه فِيمَنْ يَأْذَن لَهُ فِيهِ فَيَقْبَل مِنْهُ أُسْوَة بِإِخْوَانِهِ مِنْ أُولِي الْعَزْم صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (تفسير ابن كثير).

)وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران 46-47).  قَوْله " وَيُكَلِّم النَّاس فِي الْمَهْد وَكَهْلًا " أَيْ يَدْعُو إِلَى عِبَادَة اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فِي حَال صِغَره مُعْجِزَة وَآيَة وَفِي حَال كُهُولَته حِين يُوحِي اللَّه إِلَيْهِ " وَمِنْ الصَّالِحِينَ " أَيْ فِي قَوْله وَعَمَله لَهُ عِلْم صَحِيح وَعَمَل صَالِح قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق : عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط عَنْ مُحَمَّد بْن شُرَحْبِيل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا تَكَلَّمَ أَحَد فِي صِغَره إِلَّا عِيسَى وَصَاحِب جُرَيْج(تفسير ابن كثير).

)وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران 49).

(وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (الزخرف 63 - 64).

" وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ " أَيْ بِالنُّبُوَّةِ " وَلِأُبَيِّن لَكُمْ بَعْض الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " قَالَ اِبْن جَرِير يَعْنِي مِنْ الْأُمُور الدِّينِيَّة لَا الدُّنْيَوِيَّة وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَن جَيِّد ثُمَّ رَدَّ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَعْض هَهُنَا بِمَعْنَى كُلّ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ لَبِيد الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ : تُزَال أَمْكِنَة إِذَا لَمْ أَرْضهَا أَوْ يَتَعَلَّق بَعْض النُّفُوس حِمَامهَا وَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ &